في مطلع كل عام تطل علينا ذكرى يوم عاشوراء المجيدة، لتفتح في الوجدان الإنساني نافذة تطل على عمق الزمن الوجودي، وتتجاوز حدود التاريخ المكتوب، لتقدم درساً خالداً في اليقين والحرية.
إن هذا اليوم في أصله المتجذر يمثل اللحظة الفارقة التي تجلت فيها العناية الإلهية لإنقاذ نبي الله موسى عليه السلام ومن معه من طغيان فرعون وجيشه عندما انغلق الأفق تماماً وأصبح البحر من أمامهم والعدو من خلفهم. في تلك اللحظة الحرجة التي تحطمت فيها كل الحسابات المنطقية والمعادلات البشرية إنشق البحر الأحمر ليتحول الماء السائل إلى طرق يابسة آمنة تعبر بالمؤمنين المستضعفين نحو فضاء الحرية والكرامة، وتغمس الجبابرة الطغاة في قاع ظلمهم بأعماق البحر، وتحول المستحيل المغلق إلى معجزة مشهودة تتوارثها الأجيال.
حين نتأمل هذا الحدث نجد أن قداسة هذا اليوم تأسست بالكامل على قيمة النجاة والانتصار الروحي والمادي للحق، وهو ما يمنح النفس البشرية طاقة إيجابية هائلة قوامها الأمل واليقين بأن العدالة هي النهاية الحتمية لكل صراع مع الظلم. غير أن هناك حيلة خفية تعرضت لها هذه القيم الروحية والإنسانية عبر التاريخ تمثلت في محاولة سحب قداسة هذا اليوم من كونها محطة للاحتفال بنصر الله ونبيّه إلى إلباسها ثوب الفجيعة والحزن والموت عبر ربطها بأحداث تاريخية أخرى ملؤها الانكسار والندم.
إن هذا التحول في مركز الثقل الروحي يمثل مكيدة حقيقية للوعي الجمعي حيث يتم تحويل المقدس من موقف نجاح وعبور مبهر إلى موقف خسارة وأسى مستمر يثقل كاهل الأمة ويقيد انطلاقتها نحو المستقبل.
يظهر الفارق الفلسفي والنفسي كبيرا جدا بين ثقافة النجاة والوعي الغارق في ثقافة الفجيعة.
إن الإنسان عندما يتغذى على ذكرى المعجزة وانفلاق البحر يكتسب مناعة نفسية صلبة ضد الإحباط وتنمو في داخله روح المبادرة والشكر والامتنان لأنه يرى نفسه ناجيا ومنتصرا في نهاية المطاف بفضل التمسك بالمبادئ. هذا اليقين ينعكس إيجابيا على المجتمع فيجعله مجتمعا منفتحا مقبلا على الحياة والتعاون والبناء المشترك ومدفوعا بطاقة التسامح والحرية الطليقة. وفي المقابل فإن حصر الوجدان في دائرة الحزن الدائم واستجرار تفاصيل المآسي التاريخية يولد في عمق النفس البشرية عقدة المظلومية والضحية مما يحول الطاقة الروحية من الإنتاج والعمل إلى بكاء وندم وجودي يعزل المجتمعات ويقسمها إلى كيانات مغلقة تقتات على الصدمات القديمة وتعيش في أسر الماضي بعيدا عن حركة التطور والنهوض.
في نهاية المطاف تبرز الحاجة الملحة لإعادة الاعتبار للأصل النقي ليوم عاشوراء كما أراده الرسول محمد ﷺ عندما أكد على الرابطة الروحية العميقة بنبي الله موسى عليه السلام ليبقى هذا اليوم منارة عالمية تشع بالأمل والحرية والكرامة الإنسانية.
إن الحفاظ على جوهر المناعة الروحية المتمثل في نجاة نبي الله موسى وقومه هو حماية حقيقية للضمير الإنساني من الغرق في سراديب الإحباط التاريخي لتبقى شعلة النصر والعبور تضيء دروب المستضعفين وتعلمهم أن البحر ينفلق دائما للذين يسيرون خلف الحق بيقين لا يتزلزل.

