تنتهي أشهُر الدراسة الطويلة محمّلة بضغوطات الاستيقاظ الباكر، والالتزام بالواجبات، والتقييمات الأكاديمية المستمرة، ومع آخر جرس للمدرسة، يدخل الأطفال في حالة من التحرر المفاجئ من القوانين والروتين، وهذه المرحلة الانتقالية، إن لم تُدَر بوعي نفسي وعلمي، قد تتحول من مساحة للراحة إلى مصدر للمشكلات السلوكية كالملل المزمن، والاعتماد على الشاشات، وزيادة النزاعات العائلية، كما أن الإجازة الصيفية في عمقها النفسي ليست مجرد وقت فراغ يجب ملؤه، بل هي فترة ترميم وبناء للذكاء العاطفي والاجتماعي، وفرصة لتعويض ما لا تتيحه المقاعد الدراسية.
إن لانتقال من جدول يومي مزدحم إلى فراغ تام يصيب الطفل بصدمة تنظيمية، وهذا الفراغ يترجمه الدماغ كحالة من الملل الهدّام؛ مما يرفع من معدلات الإحباط، وتقلب المزاج، والميل إلى العناد وافتعال النزاعات مع الأقران أو الإخوة. كما أن غياب الأنشطة الموجهة يدفع الأطفال لا إرادياً نحو الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية لساعات طويلة، ومن الناحية النفسية فإن هذا الاستهلاك الكثيف يسبب خمولاً في الفص الجبهي للدماغ (المسؤول عن التركيز والتحكم في الاندفاعات)، مما يؤدي لاحقاً إلى تشتت الانتباه، ضعف التواصل البصري، وزيادة النوبات العصبية، وأيضا بانتهاء المدرسة، يفقد الطفل قنوات التواصل اليومي التلقائي مع أقرانه، والاكتفاء بالتواصل الافتراضي أو العزلة المنزلية يضعف مهارات الذكاء التفاعلي (كالتعاطف، والمشاركة، وتقبل الهزيمة)، مما يزيد من خجل الطفل أو عدائيته عند الاحتكاك بالمجتمع مجدداً.
ولمواجهة هذه المشكلات وتحويل الإجازة إلى مساحة لبناء المرونة النفسية والاجتماعية، نوصي بتطبيق الاستراتيجيات التدخلية التالية:
- الاهتمام بحفظ القرآن على رأس الأولويات، وهو غير مرتبط بالإجازة فقط، بل في كل وقت.
- وضع هيكل يومي مرن، يُسمح للطفل بهامش حرية أوسع في النوم والاستيقاظ (زيادة ساعة أو ساعتين عن أيام الدراسة)، مع الحفاظ على مواعيد ثابتة للوجبات وللأنشطة الأساسية.
- صياغة اتفاقية رقمية بمشاركة الطفل؛ يُحدد فيها وقت الشاشات (ساعتان يومياً) مثلآ، ويكون مشروطاً بإنجاز مهام حركية أو منزلية قبله. الاستبدال الذكي هنا يعتمد على توفير بدائل جاذبة كالألعاب اللوحية المحفزة للتفكير الجماعي.
- يحتاج الأطفال إلى تفريغ الكبت الأكاديمي من خلال الأنشطة المختلفة، مثل: الأنشطة المائية (كالسباحة) أو الرياضات الجماعية التي تعمل كآلية ممتازة لتخفيض مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) ورفع هرمونات السعادة كالإندورفين والدوبامين.
- إشراك الطفل في نوادٍ رياضية، دورات تدريبية، أو أنشطة كشفية وصيفية. هذه البيئات الجديدة تضعه في مواجهات اجتماعية حقيقية، تُعلمه كيفية بناء الصداقات من الصفر، وتفريغ الشحنات الانفعالية والكبت الأكاديمي عبر الحركة، مما يرفع من إفراز الإندورفين والدوبامين ويخفض الكورتيزول (هرمون القلق).
- ترك الحرية للطفل لاختيار مهارة يستكشفها (رسم، برمجة مبسطة، أشغال يدوية).
- إسناد مهام يومية تناسب عمر الطفل (ترتيب غرفته، المساعدة في إعداد المائدة)؛ وهذا يعزز مفهوم المبادرة، ويقضي على الاتكالية.
- لنتذكر دائماً أن الإجازة الصيفية هي المساحة الزمنية التي ننتقل فيها من رعاية أداء الطفل (درجاته، واجباته، التزامه) إلى رعاية وجوده الإنساني والنفسي، وليكن صيفاً للترميم، وبناء المرونة، وإعادة اكتشاف شغف الطفولة التلقائي .

