في الماضي، كانت المؤسسات تتنافس على شراء المساحات الإعلانية، أما اليوم فهي تتنافس على مورد أكثر ندرة وقيمة: انتباه الإنسان.
قد يبدو هذا الطرح مبالغًا فيه، لكن واقعنا الرقمي يقول غير ذلك. فالمشكلة لم تعد في إيصال الرسالة إلى الجمهور، وإنما في أن يمنحك هذا الجمهور بضع ثوانٍ من تركيزه وسط سيلٍ لا ينتهي من المحتوى والإعلانات والإشعارات.
وهنا يبرز مفهوم اقتصاد الانتباه (Attention Economy)، الذي ينطلق من فكرة بسيطة مفادها أن وفرة المعلومات تجعل انتباه الإنسان موردًا نادرًا، وبالتالي تصبح المنافسة الحقيقية على هذا المورد وليس على إنتاج المزيد من المحتوى. وقد تنبّه إلى هذه الفكرة مبكرًا عالم الاقتصاد والإدارة هربرت سايمون عندما قال عبارته الشهيرة: "وفرة المعلومات تخلق فقرًا في الانتباه." كانت هذه العبارة في سبعينيات القرن الماضي أقرب إلى التنبؤ، أما اليوم فقد أصبحت وصفًا دقيقًا لواقع التسويق والاتصال.
إذا كانت المعلومات متاحة للجميع، فإن الميزة التنافسية لم تعد في إنتاج المزيد منها، بل في إنتاج ما يستحق أن يلتفت إليه الناس.
ولهذا، تقع بعض المؤسسات في خطأ شائع، إذ تربط نجاحها بكثافة النشر. فتزداد المنشورات، وتتكرر الرسائل، بينما يتراجع التفاعل الحقيقي. فالكم لا يصنع التأثير، تمامًا كما أن ارتفاع الصوت لا يعني بالضرورة أن الناس يصغون إليه. واتخاذ نهج الإغراق بالمحتوى يشتت الانتباه ويجعل المحتوى ممل.
ولنفترض أن شركتين أعلنتا عن إطلاق الخدمة نفسها. الأولى نشرت عشرات التصاميم والمقاطع الإعلانية خلال أسبوع، بينما اختارت الثانية أن تنشر قصة قصيرة لعميل واجه تحديًا حقيقيًا، ثم أوضحت كيف ساعدته الخدمة على تجاوزه. قد تحقق الحملة الأولى وصولًا أكبر، لكن الثانية غالبًا ما تكسب انتباهًا أعمق، لأن الإنسان يتفاعل مع المعنى أكثر مما يتفاعل مع التكرار.
وهنا يبرز فرق جوهري بين مفهومين كثيرًا ما يُستخدمان وكأنهما شيء واحد: الوصول والانتباه. فالوصول يعني أن رسالتك ظهرت أمام الجمهور، أما الانتباه فهو أن يمنحك الجمهور جزءًا من وقته واهتمامه، وأن تبقى رسالتك حاضرة في ذهنه بعد أن يغلق الشاشة. وفي ظل اقتصاد الانتباه، لا يكفي أن تصل رسالتك إلى الجمهور، بل يجب أن تستحق اهتمامه.
ولذلك، لم يعد السؤال الذي ينبغي أن تطرحه إدارات التسويق والاتصال: كم منشورًا سننشر هذا الشهر؟ بل أصبح: هل ما سننشره يستحق أن يقتطع دقيقة من وقت جمهورنا؟
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح إنتاج المحتوى أسرع وأسهل من أي وقت مضى، ستزداد وفرة الرسائل، لكن قيمة الانتباه ستصبح أعلى. ولن يكون الفائز هو الأكثر إنتاجًا، وإنما الأكثر قدرة على تقديم محتوى يحمل قيمة، ويحترم وقت المتلقي، ويعرف متى يتحدث، وماذا يقول، ولماذا يقول ذلك.
ومن وجهة نظري، فإن أكبر خطأ قد تقع فيه المؤسسات اليوم هو الاعتقاد أن النجاح في الاتصال يقاس بعدد المنشورات أو حجم الإنفاق التسويقي. فالرسائل التي لا تضيف قيمة، مهما بلغ انتشارها، سرعان ما تتلاشى في زحام المحتوى. أما المؤسسة التي تفهم قواعد اقتصاد الانتباه، فستركز على جودة الفكرة قبل كثافة النشر، وعلى بناء علاقة مع جمهورها قبل السعي إلى جذب انتباهه للحظات. فالمستقبل، في تقديري، لن يكون لمن يتحدث أكثر، بل لمن يقول ما يستحق أن يُستمع إليه.
مستشار في التسويق والاتصال المؤسسي
فواز بن عواد العنزي

