جلستُ أنتظر العشاء، غير أن انتظاري طال. كانت أم العيال مشغولةً بالعيال، والعجيب أن العيال لم يعودوا أولئك الصغار الذين كانت تطاردهم بين الغرف وتلاحقهم بين المواعيد؛ فقد كبروا، بل صاروا آباءَ العيال وأمهاتِ العيال. ومع ذلك ما زالت أم العيال مشغولةً بالعيال!
نظرتُ إلى الساعة مرةً بعد أخرى، ثم أيقنتُ أن العشاء الليلة مؤجلٌ إلى أجلٍ غير معلوم ما دام العيال عند أم العيال. فآثرتُ الانسحاب إلى مكتبي، فما دام العشاء قد تأخر، فلعل الخواطر لا تتأخر.
جلستُ إلى مكتبي، وأخذتُ أتأمل قلمي؛ رفيق فكري وأنيس خواطري. تناولته برفق وهمستُ إليه:
لو أن لي زوجةً أخرى كفلان، لكنتُ الليلة بالعشاء شبعان!
فاهتز القلم بين أصابعي وقال ساخرًا:
ما زلتَ شابًّا يا صديقي، ولكنك جبان!
وما إن نطق بتلك الكلمة حتى أخذتني الفكرة إلى آفاق الخيال. تخيلتُ زوجةً أخرى، حسناء جميلة، لا تنازعني فيها الأيام، ولا تستأثر بها هموم العيال، تستقبلني بالبِشر كلما أقبلت، وتسبقني إلى إعداد الطعام قبل أن أجلس، وتُحسن التدبير كما تُحسن التقدير، فأحيا من الرضا ما ظفر به أبو فلان .
وامتدت الأحلام أكثر وأكثر، ورحتُ أبني من الخيال بيتًا لا يعرف الانتظار، وأيامًا لا يعكر صفوها انشغال، حتى أيقظني رنين هاتفي.
كانت رسالة من أم العيال تقول:
"أنا خارجة مع العيال، والعشاء جاهز في المطبخ، إذا جعتَ فسخِّنه لنفسك."
توقفتُ عن الحلم فجأة، ونظرتُ إلى القلم بين أصابعي، فإذا به ساكنٌ لا ينطق، كأنه اكتفى بما قال. أما أنا فقد قمتُ من مكتبي متجهًا إلى المطبخ، وأنا أردد في نفسي:
ما أصعب أن ننسى أن أمَّ العيال، التي ما زالت مشغولةً بالعيال، هي نفسها التي كانت يومًا مشغولةً بأبي العيال.

