مفتاح الجنة في كلمة
ودخول النار على كلمة
وقضاء الله هو الكلمة
بتلك الكلمات الرائعة أفتتح الشاعر "عبد الرحمن الشرقاوي" قصيدته الرائعة (الكلمة)، تلك القصيدة التي تشرح معنى وأهمية وعظمة الكلمة، ففي الجاهلية وقبل ظهور نور الإسلام كانت الأعراب تتباهى بفصاحتها وطلاقة لسانها، وجمال لفظها وعظيم بيانها، وكانت القبائل تتخذ الشعراء محاربين لها من نوع آخر، يمدحون فضائل قبيلتهم، ويفاخرون بأمجادها، ويذمون غيرها، ويهجون رجالها ويسفهون أحلامها، وبسبب كلمات قيلت دون نية سوء مبيتة في بعض الأحيان، اندلعت حروب، وسقط ضحايا، وتخربت بيوت، وزالت أمم بأكملها!
وعندما جاء القرآن الكريم هادياً ومنذراً للناس، كانت أولى كلماته توجيه رباني عظيم في ذاته (أقرأ) إنه دليل آخر، دليل حي وخالد، وباقِ ما بقي القرآن يُتلى، والقلوب تهتز له، والحناجر ترتفع بتلاوة كلماته العظيمة، على عظم أهمية وخطورة الكلمة، وتأثيرها العظيم، والقرآن الكريم يحفل بالنصح، وكذلك بالزجر والترهيب لمن يسيء استعمال سلطان الكلمة، فيوجهها إلى غير طريقها القويم، ويسرف في الإساءة للناس بالقول، كما بالفعل، مما ينتج عنه شيوع الكراهية، وانتشار البغضاء والتلاسن بين الناس، ففي سورة (إبراهيم) يشبه الله -عز وجل- الكلمة بالشجرة، فمنها الطيب الذي يعطي ثماره ويظلل على الناس، ومنها ما هو خبيث سيء النبتة، كثمرة رديئة مسمومة، عن طريقها ينتشر كل سوء وخصام وعادات مذمومة بين الناس، وصف الله تعالى ذلك بأبرع الكلمات وأعظمها تأثيراً وبلاغة في قوله تعالي: (ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، كما حذّرنا ربنا من الإساءة للآخرين، أو إشاعة الأقوال المغرضة عنهم دون وجه حق، فقال تعالى (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، ويستمر القرآن الكريم بكلام ربنا -عز وجل- في إرشادنا ونصحنا، وجعلنا نقدر مسئوليتنا عن كل كلمة تنطق بها ألسنتنا.
ايضاً تحفل سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بتوجيهات وإرشادات نبوية حكيمة ومباشرة، تُوجِّه المسلمون وتُحذِّرهم من الإسْراف في التّحدث بتافه القول، أو نشر الشائعات، أوالتلفظ بأقوال السوء، التي تجعل القلوب تمتلئ بالحقد، والنفوس بالضغائن، وتصنع مجتمعاً يتربص كل فرد فيه بالآخر، لينشر عنه ما يسيء إليه ويشوه سمعته، وربما يدمر حياته العائلية والشخصية بأسرها.
في سلسلة من الدراسات النفسية والسلوكية، أثبت العلماء السلوكيين، أن للكلمة تأثيراً كبيراً على دماغ وتفاعل الإنسان مع العالم من حوله، في كتاب مهم جداً عنوانه (الكلمات يمكن أن تغير دماغك) 'Words Can Change Your Brain'، نشر الباحثان "مارك والدمان" و"أندرو نيوبيرج" خلاصة أبحاث ومناقشات حول تأثير الكلمات الهائل على الدماغ، من بين ما ذكروه في ذلك الكتاب المهم أن الكلمات القاسية والمسيئة قد تتسبب في تعطل بعض الوظائف الإدراكية، بشكل جزئي أو كلي، أما في الناحية المقابلة فإن كلمات التشجيع والثناء والمديح قد تنشط الدافعية، تزيد من الحماسة في العمل، تقلل الفاقد والهدر في وقت العمل، والتواصل الإيجابي مع الآخرين يحسّن حالة الإنسان المزاجية، من بين أهم النقاط التي ذُكِرت في ذلك الكتاب، أن سماع المرضى المصابين بأمراض مزمنة لعبارات مثل: (لن تتعافى أبداً من ذلك) أو (لن تتخطى ذلك) قد تجعل مناعتهم وقدرتهم على مقاومة المرض إلي الحضيض!
في أثناء جائحة كورونا، التي لا زلنا نعيش بقية فصولها الآن، تعاملت بعض الشركات الناجحة في الغرب مع الأمر بشكل مثير للدهشة، فحظروا استعمال مصطلح (كوفيد)ً، أو التلفظ به أثناء الاجتماعات التي تضم موظفي ومسئولي هذه الشركات، وتم استبدال الكلمة وقت اللزوم بحرف (C) فقط، كان دافعهم إلى ذلك هو ملاحظة دقيقة تؤكد أن كثرة استعمال اسم الجائحة المخيفة يخفض دافعية وحماسة الموظفين، ويملأ قلوبهم بالقلق، والتخوف على مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم، الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي حوّل الكلمة إلي سلاح فتاك في بعض الأحيان وأشد تدميراً من كل الأسلحة التي اخترعها، واستعملها الإنسان في تاريخه المسجل كله، وزادت في الآونة الأخيرة ظاهرة التنمر، والاستهزاء بالآخرين، حتى دون معرفة شخصية تربط الجاني بالضحية، مما ينتج عنه في بعض الأحيان حوادث قتل، أو تعدي، أو خلافات عائلية، أو انتحار، وهُنا نرى أن بضع كلمات جارحة تقال ربما على سبيل المزاح والهذر، قد تؤدي في النهاية إلي إنهاء حياة إنسان، بل وحتى انتظام دقات القلب لدى الإنسان يعتمد على التفكير الايجابي، والذي تزيد الكلمات الطيبة والمشجعة منه.
لكل تلك الأسباب علينا أن نلتزم بوصايا ربنا عز وجل، وتوجيهات نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم، حين ارشادنا إلي مراقبة ألسنتنا، والحذر من كلمات السوء والشر، وأن نعلِّم أولادنا أن يتحلوا بطيب اللسان، ولا يقولوا إلا حُسنا، فبالكلمة الطيبة وحدها يمكن أن نبني مجتمع مسالم متحاب، ونتغلب على كثير من الظواهر السلبية، التي انتشرت كسرطان خبيث قاتل في مجتمعاتنا وبيوتنا.

