سالم حائك القرية يتربع وسط منزله المتواضع باسطًا ثوبًا مذولقًا نصفه على الأرض وباقيه يتطوى على حجره ، وبانهماكته في الحياكة وخفة يده تضربه الإبرة في إحدى اصابعه فيصرخ : ليت الله منك ومن ثوبك ياعريس الغفلة لاسلمنا لسانك ولا سلمنا تعبك ..
وخزة الابرة ايقضت جرحًا في قلب سالم ؛ فعبارات التهكم والاستخفاف والتندر أمام الناس وفي مواقف عدة ؛ لازالت تقرع مشاعره ، فكبير الأعيان سعيد - الذي يُعدّ العدة لزواجه - هو من يكيله تلك العبارات متكئًا على ضعف شخصية سالم وقلة حيلته وهوانه عند قريته وقبيلته ..
قرر سالم أن ينتقم من كل ذلك دون أي مواجهةٍ مع كبير الأعيان فهو لايقواه .. اختار ألدَّ خصوم سعيد ليكون وصلاً لمهمته البريئة فقد لمحه في سوق السبت وسأله:
⁃ ايش يا أحمد بتحضر زواج سعيد بعد أسبوع ؟
⁃ اي والله اني باحضره عزمني عشان يكايدني أنه بيتزوج الثالثة ماهو حُبّ فيِّه .
⁃ ومعك ثوب تحضر به ؟
⁃ لا والله باقي اشتري والا استلف
⁃ وذا ياهب لك ثوب جديد ومذولق ؟
⁃ تكفى ياسالم وأنا أخوك عندك شيء من باقي أقمشة ثياب القبيلة ؟
⁃ عندي ثوب جديد ومذولق باقي له يومين واخلصه واعلمك .... باع سالم ثوب العريس على أحمد قبل الزواج بيومين واختفى من بيته هربًا من ردة فعل سعيد ، ولم يهتدي العريس لسالم رغم محاولاته المنهكة في البحث عنه ، فاستبدل الثوب المذولق بثوبٍ آخر لتمضي فرحته بعروسته التي تصغره بعشرة أعوام.
في عصرية الزواج التأمت صفوف العراضة في ساحة زواج كبير الأعيان ووسط حضورٍ بهيج وعلى وقع البنادق ومن بين أدخنة البارود ؛ يلمح سعيد أحمد وسط صفوف الرجال يدك الأرض بأقدامه اليافعة ومعها يهتز محزمه المذهّّب بالجنبية ، وتتمايل أطراف الثوب المذولق..
استغرق العريس في فتل شاربه والتأمل في تفاصيل ثوبه المُباع ، وبدهائه المشهود اقترب من أحمد في إحدى جولات العرضة وأودع جيبه خمسة ريالات قائلًا: الزم الدراهم واكتم نفسك لاتعلم أن الثوب اللي فوقك ثوبي ، وسالم الهيل لي حساب معه عسير ، انطلقت على محيَّا أحمد ابتسامةً ماكرة وأكمل العرضة ..
بلغ خبر التهديد لسالم الذي لجأ لعريفة القرية وفقيهها واخبره بكل مافي جعبته ماله وما عليه ، فآواه الفقيه وكتم خبره ، في الوقت الذي يتحسس سعيد لطرف علم عنه لأنه سينكل به ويفشِّل به بين القبيلة ..
بعد أيامٍ ثلاث كان صحن الخروف في بيت العريفة يجمع الخصمين وفي جيب العريس مبلغًا من المال رضوةً له من الحائك سالم ، على أن تنتهي الخصومة ويبرأ سالم من التهديد ويهنأ أحمد بثوب العريس المذولق .

