ينقسم الناس في طلبهم لحاجاتهم إلىٰ قسمين: قسم يطرق الباب بلطف فيُفتح له بسرور، وقسم يقرع الباب بعنف فلا يجد إلا الصد والنفور.
إن القضية ليست في قوة الحق أو نوع الحاجة، بل في الأدب الذي يغلف الطلب.
يعتقد البعض أن الصراخ والفظاظة هما أقصر طريق للحصول على المبتغى؛ ولكن الحقيقة هي أن الكلمة الخشنة الفظة تبني جداراً من المقاومة في قلب الطرف الآخر، بينما الكلمة اللينة اللطيفة تذيب الجليد وتهدم الحواجز. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ…﴾
إن وهم الاستحقاق الذي يمارسه البعض، ينبع من غرور داخلي يجعل الفرد يظن أن العالم مدين له، وأنه مركز الكون، وأن الآخرين مجرد أدوات لتنفيذ رغباته؛ وهذا تماماً ما يجعله في نهاية المطاف يسامر أوهامه وينادم فشله ووحدته، حتى ولو كان يملك الحق كله.
إن القلوب التي نقصدها هي بساتين محصنة، وإن مفاتيحها هي الكلمات الطيبة والنوايا الحسنة والأساليب الرقيقة. الشخص المستعلي يدخل وفي يده فأس يحطم به الأقفال، فيدمر الجمال قبل أن يصل إليه؛ أما الشخص المتأدب، فهو كالنسمة الرقيقة التي تنشر عبق الزهور في محيطه ترحيباً بقدومه.
في علم النفس السلوكي، يُعد الشعور بالاستحقاق الزائد فخاً مظلماً يسقط فيه الفرد؛ لأنه يقتل الرحمة في قلبه، ويجعله عاجزاً عن رؤية الضيق الذي يسببه للآخرين بأسلوبه الجاف. وفي تراثنا الجميل، نجد حكمة تقول: إن العلم والرزق لا يسكنان إلا في القلوب المتواضعة. وإن الطلب حين يخرج بروح التقدير، يتحول من مجرد أخذ إلى رحلة سحرية تزهر فيها المودة؛ فالمانح حين يعطي الشخص اللبق يشعر بنشوة الكرم، وحين يعطي الشخص الفظ يشعر بمرارة الإكراه.
ثم إن لغة الجسد ونبرة الصوت هي الموسيقى التي تسبق الكلمة الطيبة وتمهد لها. وإن نبرة الصوت الهادئة والابتسامة الصادقة تعملان عمل السحر في تهدئة النفوس وتحويل الخصوم إلى أصدقاء أوفياء.
الموظف في عمله، أو الطالب مع أستاذه، أو حتى الإنسان في مناجاته لخالقه، كلهم يحتاجون إلى إدراك أن الكلمة الطيبة هي لقائلها بالدرجة الأولى.
إن الذي يحصل على ما يريد هو من استطاع أن يجمع بين قوة الحجة ولين الجناح؛ مدركاً أن الحقيقة الجافة وحدها لا تكفي لاقتلاع العناد من صدور الناس. فالحق الذي يُطلب بوقاحة وغلظة هو حق ميت لا بركة فيه، والطلب الذي يُغلف بالذوق يفتح كنوزاً لا نهاية لها. لنتذكر دائماً أن القلوب قلاع منيعة، وأن اللطف هو الجيش الوحيد الذي يفتحها ويحتلها بالحب دون أن يريق قطرة واحدة من كرامة الآخرين.

