نحن في هذه الحياة مسافرين في طريقٍ طويلٍ إلى نهاية محتومة غير معروفة، وأثناء هذا السير لا نتوقف عن ملئ حقيبتنا بالأشياءٍ الثمينةٍ التي نجمعها "مواقفَ مرت بنا، ودروسٍ تعلمناها بعد تعبٍ، وأسرارٍ وحقائقَ لم نفهمها إلا بعد أن عشناها وغرقنا من أجلها".
قد نظن أننا نجمع هذه الأشياء لأنفسنا فقط، أو نعتقد أن هذه الحقيبة ستختفي وتتبخر بمجرد أن تنتهي رحلتنا في هذا العالم، ولكن الحقيقة الأجمل والأعمق؛ هي أن هناك من يمشي خلفنا طوال الوقت، يراقب خطواتنا بدقةٍ، ويلتقط كل قطعةٍ غاليةٍ تسقط منا دون أن ننتبه. إنه ليس غريباً عنا؛ بل هو "كل ما نحبه، وكل من نحبه".
والغريب العجيب هو أن هذا المحبوب قد يكون إنساناً عاقلاً نحبه من كل قلوبنا ونتمنى له الخير، وقد يكون شيئاً غير عاقلٍ؛ كفكرةٍ نبيلةٍ نؤمن بها، أو حلمٍ صغيرٍ نربيه في خيالنا، أو مشروعٍ بسيطٍ سهرنا عليه الليالي الطوال وصنعنا تفاصيله بحبٍّ وشغفٍ.
هذا المحبوب هو وارثنا الحقيقي والوحيد في هذه الحياة؛ وسواءً عرفنا هذا الأمر أم لم نعرفه، فهو الشخص أو الشيء الذي سيرث خلاصة عمرنا، وعصارة تجاربنا، وكل طاقةٍ بذلناها في النهاية.
والسر كله يكمن في هذه الالتفاتة الذكية: عندما ننتبه ونعرف بوضوحٍ تامٍّ من نحب وماذا نحب، فلن نترك حقيبتنا تسقط على الأرض ليعثر عليها بالصُّدفة، أو يلتقطها أي عابر طريقٍ، بل سنلتفت إلى محبوبنا بابتسامة المطمئن، ونسلمه الحقيبة يداً بيدٍ، بكل ثقةٍ، وأمانٍ، ووضوحٍ.
هذا الوعي منا يحميه من الضياع في دروب الحياة، ولا يتركه يخوض معارك تائهةً ومستهلكةً في البحث, والتحليل، والاستنتاج؛ ليخمن ماذا كنا نريد، أو ماذا كنا نقصد.
إننا نعطيه خارطة الطريق جاهزةً، ونجعله يبدأ رحلته من النقطة التي انتهينا نحن عندها، بدلاً من أن يضيع عمره في إعادة البدايات وتكرار الأخطاء.
وحين تمضي الأيام وتصل رحلته هو أيضاً إلى نهايتها، سيفعل الأمر نفسه تماماً؛ فيلتفت بحبٍّ ويسلّم كل ما جمعه لمن يحب، ليبدأ الجديد من حيث انتهى هو. وبهذه الطريقة البسيطة والعظيمة، تتحول تجربتنا الشخصية إلى سلسلةٍ متصلةٍ من النور، والقوة، والحكمة التي لا تنقطع أبداً عبر الأزمان؛ حيث يبني كل جيلٍ فوق الجيل الذي قبله.
هذا التدفق العفوي والمستمر هو رصيدنا الحقيقي والوحيد في هذا الوجود الفسيح.
إنه (الميراث الروحي) الحقيقي الذي يستمر في العطاء والنمو، ويظل يغذي أثرنا في الدنيا ويمدنا بالحياة حتى بعد موتنا، وحتى بعد أن ينسى أهل الأرض أسماءنا، وملامح وجوهنا، وتفاصيل حياتنا.
فالشعلة الصغيرة التي نتركها بحبٍّ صادقٍ في قلبِ شخصٍ، أو في روحِ فكرةٍ، لن تنطفئ أبداً طالما هناك عينٌ تحرسها، ويدٌ تحملها لتواصل بها المسير.

