في زمن أصبح فيه المريض رقمًا في قائمة انتظار، وتحولت غرف العيادات إلى مصانع إنتاج سريعة، تظهر أحيانًا شخصيات طبية تُذكّرنا بأن الطب ما زال مهنة إنسانية قبل أن يكون صناعة. الدكتورة غدير غسان جمجوم، استشارية جراحة الأورام في مستشفى الدكتور سليمان الحبيب بجدة، ليست مجرد طبيبة ناجحة؛ هي الاستثناء الذي يحرج القاعدة.
خضتُ تجربة جراحية دقيقة معها، وخرجتُ منها لستُ أشفى جسديًا فحسب، بل أشعر أنني اكتشفتُ نموذجًا نادرًا يجمع بين العلم الدقيق، والقيادة الهادئة، والإنسانية العميقة. وهذا النموذج بالذات هو ما يجعلني أكتب هذا المقال بصراحة قد لا تُرضي الجميع.
في العيادة: حيث يُعامل المريض كإنسان لا كملف
معظم الأطباء يستمعون... الدكتورة غدير تسمع. تُنصت بعناية، تطرح الأسئلة المناسبة، وتشرح الخطة العلاجية بلغة علمية واضحة دون تعالٍ أو تبسيط مهين. هناك فرق شاسع بين طبيب يُلقي معلومات، وطبيبة تجعلك تشعر أنك شريك في المعركة. هذا الفرق هو ما يفتقده كثير من المرضى في عيادات أخرى، حيث يخرج المريض محبطًا ومشوشًا أكثر مما دخل.
في غرفة العمليات: قائدة لا مجرد جراحة
الجراحة ليست مجرد تقنية؛ هي أداء جماعي يعتمد على الثقة والدقة. الدكتورة غدير تتمتع بهدوء قيادي ينتقل إلى الفريق بأكمله. لا توتر زائد، ولا فوضى، بل أداء محترف يبعث الطمأنينة حتى في أدق اللحظات. هذا النوع من القيادة النسائية السعودية الواثقة لا يزال يُعتبر "استثناءً" في بعض الأوساط، رغم كل شعارات التمكين.
المتابعة بعد الجراحة: حيث يفشل الكثيرون
تنتهي مسؤولية بعض الأطباء بمجرد خروج المريض من غرفة العمليات. أما الدكتورة غدير فتستمر في المتابعة الشخصية، تطمئن، تُجيب على الأسئلة، وتتعامل مع القلق بجدية. هذا الالتزام ليس رفاهية؛ إنه واجب أخلاقي غالبًا ما يُهمل في نظام صحي يركز على الكم أكثر من الجودة.
لماذا يثير هذا النموذج الجدل؟
لأن الإشادة بالدكتورة غدير ليست مجرد كلمات امتنان شخصية. إنها اتهام غير مباشر للواقع الطبي السائد. إذا كانت هي "النموذج"، فماذا عن الباقين؟
لماذا يشعر كثير من المرضى في مستشفيات كبرى بالإهمال أو التعالي أو نقص التواصل؟
لماذا أصبحت شكاوى المرضى من "الطبيب الذي لا يستمع" أمرًا روتينيًا؟
وهل يكفي أن نُمجّد رؤية 2030 في الخطب والتقارير بينما يفتقر القطاع الصحي لمئات النسخ المكررة من شخصيات مثل الدكتورة غدير؟
المرأة السعودية أثبتت كفاءتها في الطب، وخاصة في التخصصات الصعبة مثل جراحة الأورام. لكن الاحتفاء بقلة نادرة مثل الدكتورة غدير يجب ألا يُستخدم كستار يخفي مشكلات أعمق: ضغط العمل الهائل، نقص التدريب المستمر على التواصل مع المريض، وثقافة "الطبيب الإله" التي لا تزال موجودة في بعض العقول.
رسالة واضحة
شكرًا للدكتورة غدير غسان جمجوم، ليس فقط على نجاح العملية، بل على أنها أعادت لي — ولكثيرين غيري — الثقة في أن الطب يمكن أن يكون إنسانيًا ومحترفًا في آن واحد.
لكن الشكر الحقيقي يكمن في أن نصبح أكثر صراحة في طلب مثل هذا المستوى كـمعيار، لا كاستثناء.
المرضى يستحقون أكثر من "طبيب كفء". يستحقون أطباء يرون فيهم بشرًا.
والوطن يستحق أن تكون الكفاءات الوطنية مثل الدكتورة غدير القاعدة، لا الزينة النادرة في لوحة الإنجازات.
مع خالص الدعاء لها بدوام التوفيق، ومع دعوة صريحة للقطاع الصحي: أعطونا المزيد من غدير جمجوم... أو على الأقل، اجعلوا نموذجها هو المطلوب، لا الاستثنائي
أ.د وحيد سامي ابوشنب
كلية الدراسات البحرية
جامعة الملك عبدالعزيز

