في قلب المملكة العربية السعودية، وعلى ضفاف وادي حنيفة، تتجسد محافظة الدرعية كواحدة من أهم الوجهات السياحية والثقافية في المنطقة، وكنموذج وطني فريد استطاع أن يحول التاريخ إلى قصة، والهوية إلى منتج سياحي عالمي. لم تعد الدرعية مجرد موقع تاريخي يستحضر الماضي، بل أصبحت أيقونة سياحية، تعكس قصة وطن، وتقدم تجربة متكاملة تجمع بين الإرث، والثقافة، والضيافة الراقية، والتنمية المستدامة. يشكّل حي الطريف القلب التاريخي النابض للدرعية، وأحد أبرز الشواهد على العمارة النجدية الأصيلة. وقد حظي الحي باعتراف عالمي حين أُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو، ليصبح بذلك منصة ثقافية عالمية تحكي قصة نشأة الدولة السعودية الأولى، وتبرز أنماط الحياة السياسية والاجتماعية لتلك المرحلة المفصلية. هذا الاعتراف لم يضف قيمة سياحية فحسب، بل عزز مكانة الدرعية كوجهة ذات بعد إنساني عالمي.
قبل سنوات قليلة، كانت الدرعية وجهة محدودة الزيارة، يغلب عليها الطابع التاريخي الهادئ. أما اليوم، فقد شهدت تحولًا استثنائيًا جعلها واحدة من أكثر الوجهات جذبًا للزوار في المملكة. هذا التحول السريع من البساطة إلى الإبهار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة خطط استراتيجية متينة متوافقة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، وإدارة واعية لقيمة المكان، استطاعت أن تعيد تقديم الدرعية للعالم دون المساس بجوهرها، ولازالت خطة تطوير الدرعية مستمرة الى ان تحقق مستهدفاتها في عام ٢٠٣٠ حسب الخطة المعلنة، والتي تتزامن مع اختيار "الدرعية" عاصمة للثقافة العربية للعام 2030، والتي أعلنت عنها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألكسو".
أصبحت الدرعية اليوم مقصدًا للزوار من داخل المملكة وخارجها، حيث تستقبل الوفود الرسمية، والسياح، والمهتمين بالتاريخ والثقافة، إضافة إلى العائلات والشباب الباحثين عن تجربة متكاملة. هذا التدفق المتزايد للزوار يعكس الثقة العالمية في المنتج السياحي الذي تقدمه الدرعية، ويؤكد نجاحها في التحول إلى وجهة حية تتجاوز مفهوم “الموقع التاريخي” إلى تجربة متكاملة تُعاش بكل تفاصيلها. فمن الزلال الذي يقدم تجربة طبيعية وترفيهية متصلة بالبيئة المحلية، إلى السمحانية التي تعكس الامتداد الحضاري والاجتماعي للمحافظة، وصولًا إلى البجيري الذي أصبح علامة فارقة في المشهد السياحي، ومنصة عالمية للمطاعم والمقاهي الراقية المطلة على حي الطريف. حيث تحتضن مجموعة مختارة من أرقى المطاعم العالمية، إلى جانب علامات محلية نجحت في تقديم المطبخ السعودي بروح عصرية. هذا التنوع في الخيارات يمنح الزائر تجربة غنية تجمع بين الجودة العالمية والهوية المحلية، ويعزز من مكانة الدرعية كوجهة تواكب أذواق الزوار من مختلف الثقافات، دون أن تفقد ارتباطها بجذورها.
أعجبني شعار "نمو بلا فقدان للهوية" والذي استلهمته من لقاء مسجل لأحد المسئولين في هيئة تطوير بوابة الدرعية، أشار إلى أن خطط التوسع المستقبلية تستهدف استقطاب أرقى العلامات التجارية العالمية في مجالات الفنادق، والأزياء، ونمط الحياة، بما يرفع من تنافسية الوجهة عالميًا. إلا أن هذا التوسع، كما أكد، لن يكون على حساب هوية الدرعية، التي ستظل محافظة على طابعها المعماري، وروحها التاريخي، ورسالتها الثقافية، لتبقى الأصالة هي الأساس الذي يُبنى عليه كل تطور.
ومن زاوية مهنية نابعة من خبرتي العملية في صناعة وتطوير الهوية، لا أجد أن هوية الدرعية تغيّرت بقدر ما أجد أنها حافظت على روحها. فالتحول الذي شهدته الدرعية لم يخرج عن الطابع النجدي، بل عزز حضوره. ففي العمارة، والفراغات، والإيقاع البصري للمكان، وحتى تفاصيل المشهد العام، جميعها ما زالت تنتمي إلى بيئتها الأصلية، وتستحضر بساطة نجد وعمقها، دون تكلّف أو استنساخ. هذا النوع من الحفاظ على الهوية لا يقوم على تجميد المكان في الماضي، بل على احترام منطقه الثقافي وتمكينه من التمدد الطبيعي نحو الحاضر. وهو ما يجعل التجربة في الدرعية متماسكة، صادقة، وتشبه نفسها، سواء كنت تتجول في أزقتها التاريخية أو تعيش تفاصيلها الحديثة. نحن نعيش في منتصف مشروع تطوير الدرعية، ومتشوقون جدًا لرؤية نهايته، فكل ما نشاهده اليوم ينبئ بنهاية تليق بأسم وعراقة المكان.
بقلم: فواز بن عواد العنزي

