في زمن الأنبياء كانت الجبال حيّة ناطقة، تردد ترجيع الصدى، وتكرر التسبيحة، وتردها على "داود" و"سليمان"، مثلما ذكر لنا كتاب الله عز وجل في سورة سبأ (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ) حتى إذا مرّت فترة بين الرسل أضحت الأرض ظلاما، وسكت صدْحها المبتهج، لتتعالى أصوات الأنين، من فرط ما امتلأت جنباتها بالمظالم والخطايا، والشرك والكفر والوثنيات، كان هذا حتى أحيا الله الأرض بعد موتها، وبعث نبيا خاتما، رسولا من أنفسنا، عزيز في قومه سيد في الأرض، ليحرر الناس من أثقال العبودية، ومظالم الشرك والخضوع لغير الله تعالي، جاء نبينا الخاتم -صلى الله عليه وسلم- ليكون نورا للعالمين، وفي ليلة كليلتنا هذه، ولعلها نفس الليلة وأختها في تقدير الزمان، وأقدار الله اللطيف الخبير، بعث الله في الأميين رسولا، وتنزلت أولي آيات القرآن الكريم على قلب النبي الأعظم، فعادت الجبال تكرر التسبيحة، وتصدح بأصوات الحق، غشي النور عالما كان مظلما بأسره، وأحيت -(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)- البشرية من جديد.
وبرغم أن تلك الليلة المباركة عميت علينا معرفتها بدقة، لحكمة عظمى في تقدير الله وفي علمه، الذي لا يحيط به شيء، فإننا نلنا من فيضها بركة ونورا، ولا زال بوسعنا تنسّم عبير الجنة، وتلمس طريقنا وسط العتمة، نمد أيدينا على استقامتها، لتمسك بفضل الله ورحمته في أيدي نبي الرحمة، نتشبث به ونستظل بظله، في كل ساعة نلبي فيها نداء الله عز وجل، في كل ليلة نقضيها خاشعين راكعين ساجدين، في كل يوم نفيد فيه من بركات ليلة القدر، ونحيي موات قلوبنا، تبعث أرواحنا حيّة عندما نعطي كل ذي حق حقه، ونعرف لأيامنا الطيبة هذه فضلها وقدرها، ونحن، وإن كنا نعيش في عالم طغت عليه المادية، ولوثته النظرة الجسدية القاصرة لكل شيء، وتصدعت أركانه تحت دعاوي باطلة، ومذاهب غريبة، ما أنزل الله بها من سلطان، إلا أن بوسعنا أن نكون شهداء للحق عز وجل، بإحياء نفخة روحه فينا، بإتباع سنة نبيه الأكرم، بملْء الأرض بأعمال البر والخير، بإطعام المساكين والجائعين، بالبحث عن المتعففين، ومد يد المساعدة إليهم، من غير منّ أو أذى، بالحنو على اليتامى والأرامل والمعذبين، شهود الله في الأرض من خلقه الضعفاء، وحتى الحيوان جعل الله له من رحمته نصيب مقسوم، في ليلة القدر يمكننا أن نعلّم أولادنا دروسا عظيمة من البر والتقوى، من الرحمة والخير والإيثار، ولأن رسالة الله جامعة للعالم كله، فكذلك جعل الله الانبياء إخوة، وجعل رسولنا مهيمنا على ما سبقه من الوحي ومن التنزيل، وكما صرخ المسيح من فوق جبل، ليفتح آذان الصم ويبارك العميان ليبصروا، والموتى في ظلامهم، بعيدا عن نور الله المستقيم، ليحيوا ويسيروا في نهار الإيمان المبين، كذلك هتف نبينا " صلي الله عليه وسلم " من فوق جبل ( عرفة) ليُسمع العالم كله :
(أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها)
(أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت....اللهم فاشهد قالوا نعم – قال فليبلغ الشاهد الغائب).
تلك التوجيهات النبوية العظيمة يلزم أن تكون نبراسا لنا، في تلك الأيام المباركة، التي شرفها الله باختيار لتكون ليلة القدر أحدها، وواسِطة القلب فيها، وفي سائر أيام حياتنا، وإن كان شهر رمضان المبارك يلوح مودعا إيانا، ليتركنا في معية الله وأمنه، حتى يلحق بنا أعواما أخرى قادمة، فإن تلك النفحات الطيبة، التي ملأت كل ساعات ليله ونهاره بالبركات، وملأت بيوتنا خيرا ونورا، وأحيت مساجد طالما هجرها المصلون في بقية أيام العام، وانتظمت صفوف المتضرعين إلى الله، في صلاة ودعاء وعبادة لا تكاد تنقطع، فإن كل ذلك الحرز الثمين يمكننا أن نستحوذ عليه، ونحفظه مباركا، يزيد ولا ينقص، في قلوبنا المتعطشة، وأرواحنا الظامئة، لنرتوي منه بقية أيام عامنا هذا، في وطننا هذا وفي سائر بلاد وأراضي المسلمين، حتى يدركنا رمضان أخر، وتهل علينا ليلة قدر، نستقبلهما بالبشر والترحاب، استقبال المرحب المعتاد، لا استقبال المتحسر اللهفان!

