كثيرا مانسمع عبارة الوحدة الوطنية تتردد على ألسنة السياسيين في معرض الحديث عن الحالة الاجتماعية في البلد ، فمتى ماتوفرت تلك الحالة الايجابية في المجتمع فهذا يعني أن البلد في حالة مستقرة سياسيا واجتماعيا ، وأن وجود مايسئ إلى الوحدة الوطنية في بلد من البلدان من أقوال وأفعال فهذا يهدد تلك الحالة الإيجابية وربما أدى إلى كثير من الفتن والمشاكل بين مكونات المجتمع.
إن الوحدة الوطنية : هي الحالة الاجتماعية والسياسية في البلد ، والتي تعبر عن وحدة الشعب بمختلف شرائحه ومنابته على هدف واحد وهم مشترك دون النظر في اعتبارات اختلاف المنابت وتنوع الأصول ، وخضوع جميع المواطنين في البلد للقانون والعدالة والمساواة بعيدا عن التمييز والمحاباة بناءا على على الأعراق والاصول والدين .
ومن الدول التي منذ قيامها تميزت بوحدتها الوطنية جزرالقمر ، تلك البقعة الخضراء الواقعة في المحيط الهندي بين جزيرة مدغشقر وقناة موزمبيق ، والمتكونة من أربع جزر، هي جزيرة القمر الكبرى والتي فيها العاصمة ( موروني )، جزيرة أنجوان ، وجزيرة. مايوت ، وجزيرة موهيلي ، .
وهي جزر عربية إسلامية سنية على مذهب الإمام الشافعي ، والمسلمون فيها ١٠٠٪ .
ورغم إعلان جزرالقمر تابعة لفرنسا في عام ١٩٠٨م إلا أن ذلك لم يصبح واقعا عمليا إلا في عام ١٩١٢م بعد ماتم نقل آخر سلاطين جزرالقمر وهو السلطان السيدعلي بن السيد عمر المسيلي آل باعلوي إلى مدغشقر من قبل فرنسا غدرا وخيانة دون أن يتنازل عن السلطة .وبعد ذلك أصبحت العاصمة الحكومية ( زوازي) في جزيرة مايوت .
ففي تلك الفترة ظلت جزرالقمر تحت قبضة الإستعمار الفرنسي ، فظهر امثال مارسيل انري وهو ليس بقمري وانما من مدغشقر الأصل والمولد في مدينة ( سانت ماري ) بالإضافة الى خاله جورج ناهوزا الذي لعب دورا خطيرا في تأجيج نار الفتنة في جزيرة مايوت لاسيما عندما تم نقل العاصمة على يد الرئيس السيد محمد شيخ من مايوت إلى مروني في جزيرة القمر الكبرى وذلك بتطبيق القرار رقم ١٥١٤الصادر من الجمعية العامة سنة ١٩٦٠م بمنح الإستقلال على وجه السرعة للدول التي مازالت تخضع للإستعمار ، فقام بالترويج والدعايات الكاذبة من إقامة اجتماعات ومؤتمرات ضد القرار .
أما صاحب الشأن والعقل المدبر في تثبيت دعائم انفصال مايوت عن أخواتها الثلاثة مارسيل أنري دورها ليس ببعيد عن خاله ، فهو الذي التقى مع اليمين المتطرف الفرنسي للتعامل معه ، وفي هذا الاطار في ١٩٧٢م وصل رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق بيار مسمير إلى مايوت في زيارة وطمأنه على أننا لانريد الخروج من جزرالقمر فإن اختارتم البقاء سوف نبقى معكم ، هذه هي الكلمة التي قالها الوزير الفرنسي في بداية مشروع إبطال الإستفتاء لأجل بقاء مايوت جزيرة فرنسية .
ولقد وقف مارسيل معلنا تبنيه حركة انفصال مايوت عن جزرالقمر أمام مجلس الشيوخ الفرنسي قائلا ( أنا أفضل مصافحة يد الشيطان بدلا من مصافحة مواطن من الجزر الثلاثة ) ولعل الكثير لايدرون مواقفه السيئة العدوانية ضد الأخوة القمرية التي تربطها الدم والدين !
لقد مرت جزرالقمر في منتصف السبعينيات بمرحلة حاسمة في تاريخها إذ ان الاستفتاء بين السكان أجري في ٢٢ ديسمبر ١٩٧٤م صوَّت ٩٥٪من سكان الجزر الثلاث لصالح الاستقلال ، بينما صوَّت ٦٥٪ من سكان مايوت لصالح البقاء ضمن الرابطة الفرنسية .
وبعد ذلك أُعلن استقلال جمهورية القمر الاتحادية الاسلامية في ٦ يوليو ١٩٧٥م على يد المرحوم الرئيس أحمد عبد الله عبد الرحمن .
والمتأمل لموضوع استقلال جزرالقمر يجد أن الموقف واحد ، وهو طلب الإستقلال من جميع الاحزاب القمرية وإن تباينت وجهات النظر في الوقت المناسب بخلاف مايوت التي اختارت البقاء مع فرنسا .
وعلى سبيل المثال الرئيس السيد محمد شيخ ١٩٦٨م وجد نفسه أمام مواجهة المظاهرات الطلابية للمدارس الثانوية ثلاثة أيام ، وواصل الطلاب إضرابا كاملا عن الدراسة استمر شهرا ، وألقت السلطات الفرنسية القبض على نحو مائتي طالب ، وسجن بعضهم لفترات تتراوح من عامين إلى خمسة أعوام ، وكان هدفهم اخراج المستعمر لتبقى جزرالقمر مستقلة ، وكذلك الحركات السياسية التي كانت خارج البلاد والتي معظمها كانت تندد بالاستعمار الفرنسي مع أن بعضا منها كانت تتعامل مع الاستعمار للاسترزاق خفية .
أما الأمير السيد إبراهيم الذي ظل رئيسا من ١٩٧٠م إلى ١٩٧٢م في عهد الحكم الذاتي ، فهو كغيره من الموافقين للإستقلال ولكنه كان يرى ان الوقت لم يأت ابدا ، لان الكوادر العلمية في المجالات المختلفة عددهم قليل ، وعند الحصول على الاستقلال ستكون هناك صعوبات في مستقبل الجزر ، وهو موقف عقلاني جدا لصاحب خبرة كبيرة في ميدان العمل الإداري .
كل هذه المواقف تُشْهِد للجميع على أن جزرالقمر اختيارها للاستقلال ولتكون عضوا في المنظمات الدولية وأشرفها جامعة الدول العربية في أكتوبر ١٩٩٣م أدركت على أن الحرية أغلى شيء في الوجود ، وأن الوحدة الوطنية الدفاع عنها واجب ديني وانساني .وهي تطالب دائمًا أمام المحافل الدولية بعودة مايوت إلى بيتها القمري .
واليوم يموت مارسيل انري عن عمر يناهز ٩٥ بعد بذل جهوده لبقاء مايوت تحت الاستعمار الفرنسي متجاهلا عن أن مايوت جزيرة قمرية عربية إسلامية على ممر العصور والأزمان .
بقلم نورالدين محمدطويل
كاتب رأي

