____________________________
نعيش في عصر التكنولوجيا، حيث أصبحت وسائل التواصل والانفتاح على العالم في قطعة صغيرة داخل جيبنا.
سمعت عبارة من أكثر من شخص:
«حذفت الفيسبوك وارتحت».
والبعض تجاوز ذلك وشتم تلك المنصة، والسبب أن المحتوى المثير للخوف والعنف يلاحقهم باستمرار، ما يؤدي إلى زيادة الضيق النفسي والقلق لديهم.
فعلًا، وجدت الدراسات ارتباطات بين الاستخدام الكبير لمنصة فيسبوك والقلق والاكتئاب والضيق النفسي.
وفي السياق السوري، تبدو المسألة أكثر أهمية؛ فسوريا عاشت سنوات طويلة من الحرب والعنف، وكانت وسائل التواصل جزءًا أساسيًا من نقل أخبار الصراع وتوثيقه.
في البداية، دخلنا منبهرين إلى فيسبوك بحثًا عن الآخرين.
صديق قديم، قريب بعيد، صورة، خبر، تناقل للأخبار والعلم...
كان يبدو كنافذة واسعة نطل منها على العالم، ونستعيد من خلالها علاقات انقطعت، وأشخاصًا غابوا، وأخبارًا لا تصلنا بسهولة.
لكن ماذا حدث لهذه النافذة مع الوقت؟
هل ما زلنا نستخدم فيسبوك… أم أصبح فيسبوك هو من يستخدمنا ويوجّه انتباهنا؟
في سوريا تحديدًا، تبدو المسألة أكثر حساسية.
فالمجتمع الذي عانى الحرب والخوف والفقدان، لا يحتاج إلى كثير من الصور حتى يستعيد مشاعر عاشها بالفعل.
خطف، انفجار، جريمة، مفقودون، ومشاهد مؤلمة...
والأخبار مرهقة لا تنتهي مع مستخدمي فيسبوك، حتى أصبحت المتابعة قهرية دون سيطرة واعية من المستخدم،
فمتابعة الأحداث والتطورات، ازداد حد الإفراط، فالتعرض المستمر للمحتوى المثير للخوف والعنف سيساهم في زيادة الضيق النفسي والقلق والاكتئاب، حتى تحول تصفح الهاتف من عادة بسيطة إلى جرعة يومية من الضغط النفسي.
واللافت في الأمر أنني التقيت بأشخاص قرروا حذف فيسبوك نهائيًا من هواتفهم.
وكرروا عبارة: «ارتحت».
ولم يقولوا: خسرت الأخبار.
بل قالوا:
«أريد التخلص من الضغط والتوتر».
وهذا أمر يستحق أن نتوقف عنده.
فالمشكلة ليست في وجود الأخبار، ولا في حق الإنسان معرفة ما يحدث، وإنما تكمن في التعرض المتواصل وغير المنضبط للمحتوى المثير للمشاعر السلبية.
وهنا يأتي الفخ.
نحن لا ندخل دائمًا بحثًا عن الأخبار السيئة.
لكن الخوارزمية تكرر ما نتوقف عنده، ومايشابهه، وما نعلّق عليه، وما نشاركه، وما نتفاعل معه. و في الخلاصة الظهور يعتمدعلى تفاعل المستخدم مع المنشورات وعلى حجم التفاعل.
فالخبر العاجل في سوريا ومتابعته، كفيل أن يفتح عليك خوارزمية هائلة من الضغط والتوتر من المحتوى المشابه.
وبينما نعتقد أننا نتصفح الأخبار، نجد أنفسنا عالقين في حلقة نفسية من الخوف والغضب والترقب.
والأخطر أن الإنسان قد يدمن هذا التوتر دون أن ينتبه.
فيستيقظ ويتوجه إلى هاتفه، وحتى قبل أن يلقي التحية على أهل بيته، وقبل أن يبدأ يومه، يكون قد حمل إلى عقله عشرات المشاهد والأخبار والمخاوف التي لا علاقة مباشرة له بها.
وهكذا لم يعد الهاتف مجرد وسيلة للتواصل.
أصبح مكانًا نذهب إليه بحثًا عن شيء…
ونخرج منه تائهين وأكثر تعبًا.
لكن الحل ليس أن نكره التكنولوجيا، ولا أن نعود إلى زمن ما قبل الإنترنت.
الحل أن نستعيد حقنا في اختيار ما يدخل عقولنا.
أن نعرف أن ليس كل خبر يجب أن نراه.
وليس كل حادثة يجب أن نتابع تفاصيلها.
وليس كل صورة تستحق أن تبقى في ذاكرتنا.
وأحيانًا…
قد يكون حذف التطبيق ليس هروبًا من العالم، بل بحثًا عن الراحة والهدوء.
صحيح أن المشكلة ليست فقط في أن العالم أصبح أكثر قسوة وعنفًا…
بل إن القسوة الأكبر أننا، دون أن نشعر، أصبحنا نخزّن هذه القسوة في عقولنا من خلال المشاهدة المستمرة لفيديوهات العنف والأخبار الصادمة والمتكررة.
وهنا يأتي السؤال:
لماذا يشعر الشخص بالراحة بعد حذف التطبيق؟
وهل الانسحاب الكامل هو الحل؟
أم أننا بحاجة إلى ما يمكن أن نسميه «الحمية الرقمية»؟
ربما نحتاج إلى اتباع «وجبات فيسبوكية صحية» لا تؤذينا.
قليل من الأخبار…
قليل من التصفح…
محتوى أكثر إيجابية…
ومساحة يومية خالية من الشاشة.
فكما نختار ما يدخل إلى أجسادنا من طعام، علينا أن نتعلم كيفية اختيار وما نسمح له بدخول عقولنا.
فليست كل الأخبار صحيحة وخاصةً مع ظاهرة الذباب الالكتروني، وليست كل الصور تستحق المشاهدة ، وليست كل معركة على الشاشة تستحق أن نخوضها نفسيًا.
ربما لا نحتاج إلى إغلاق نافذة العالم… بل نحتاج فقط إلى أن نتعلم متى نغلقها.
ولابد من طرح السؤال الجوهري على أنفسنا:
هل الآن نحن بحاجة إلى معرفة ما يحدث… أم أننا بحاجة للسلام الداخلي وبعض الهدوء؟
الكاتبة :هيام نسيب نحلي

