في اليوم الوطني السعودي الـ96.. «عزّنا بطبعنا» عنوان لوطنٍ يجمعه بالأردن تاريخ من الثقة والتنسيق والمصالح المشتركة
تطلّ المملكة العربية السعودية هذا العام على يومها الوطني السادس والتسعين تحت شعار «عزّنا بطبعنا»؛ شعار يستحضر القيم الأصيلة التي تميّز المجتمع السعودي، من الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم، ويعكس الاعتزاز بالهوية الوطنية والانتماء إلى الوطن. وقد أطلقت الهيئة العامة للترفيه الهوية الرسمية لليوم الوطني لعام 2026، مؤكدة أن الشعار يستمد فكرته من الطباع والقيم الأصيلة للمجتمع السعودي.
وفي الأردن، لا تمر هذه المناسبة باعتبارها مناسبة وطنية تخص شعبًا شقيقًا فحسب، بل تأتي في سياق علاقة عربية ضاربة في التاريخ، تجمع عمّان والرياض بروابط سياسية وأمنية واقتصادية وشعبية تراكمت على مدى عقود، وأصبحت واحدة من العلاقات العربية التي حافظت على استمرارية التواصل والتنسيق في مختلف الظروف.
من الاعتراف المتبادل إلى علاقة مؤسسية راسخة
تعود المحطة الرسمية الأبرز في تاريخ العلاقات الأردنية السعودية إلى آذار عام 1933، عندما تبادلت حكومة إمارة شرقي الأردن والمملكة العربية السعودية الاعتراف المتبادل، من خلال برقيتين بين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود والأمير عبدالله بن الحسين آنذاك.
وعقب ذلك، بدأت مباحثات بين الجانبين أفضت إلى عقد معاهدة صداقة وحسن جوار هدفت إلى تنظيم العلاقات والتعاون بين البلدين وتنظيم الحدود، لتشكّل تلك المرحلة أساسًا لمسار طويل من العلاقات الرسمية بين عمّان والرياض.
ومع مرور السنوات، انتقلت العلاقة من بعدها التاريخي إلى أطر مؤسسية متعددة، من أبرزها مجلس التنسيق السعودي الأردني الذي تأسس عام 2016، ويتولى الإشراف على الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية بين البلدين ومتابعة تنفيذها في مجالات التعاون المختلفة. كما يضطلع مجلس الأعمال الأردني السعودي بدور في دعم العلاقات الاقتصادية بين القطاع الخاص في البلدين.
تنسيق سياسي وأمني في مرحلة إقليمية دقيقة
وفي عام 2026، برزت العلاقات الأردنية السعودية مجددًا في مستوى التنسيق السياسي والأمني، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة.
ففي 17 أيلول 2026، بحث نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي، خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، الأوضاع الإقليمية، وجدد إدانة الأردن للاعتداءات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، مؤكدًا تضامن الأردن المطلق مع السعودية في كل ما تتخذه من خطوات لحماية أمنها واستقرارها وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها. كما أكد الوزيران استمرار العمل على تطوير العلاقات بين البلدين.
ولم يكن هذا الموقف معزولًا عن سياق عام من التنسيق؛ ففي 12 أيلول، بحث الوزيران التطورات الإقليمية، وجدد الأردن تضامنه مع السعودية بعد استهداف خط أنابيب شرق–غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، فيما شددا على استمرار التنسيق والتشاور بين المملكتين.
وفي المقابل، عبّرت السعودية خلال العام الحالي عن تضامنها مع الأردن في مواجهة الاعتداءات التي استهدفت أراضيه؛ إذ أكدت وزارة الخارجية السعودية في بيانات رسمية متكررة وقوف المملكة إلى جانب الأردن ودعمها للإجراءات التي يتخذها لحماية أمنه واستقراره.
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للعلاقة بين البلدين فالتنسيق لا يقتصر على البيانات والمواقف السياسية، بل يتجسد في التواصل المستمر بين المسؤولين وفي التعامل مع الملفات الإقليمية التي تمس أمن البلدين والمنطقة.
من الإرث السياسي إلى شراكة اقتصادية أكثر فاعلية
أما اقتصاديًا، فإن عام 2026 حمل تحركًا واضحًا باتجاه توسيع الشراكة بين القطاع الخاص الأردني والسعودي.
ففي كانون الثاني، انعقد ملتقى الأعمال الأردني السعودي في الرياض بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري وفتح آفاق جديدة للشراكات بين القطاعين الخاصين في البلدين. وأكدت اللقاءات آنذاك أهمية الانتقال من الإرث السياسي والتاريخي للعلاقات إلى شراكات اقتصادية عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ.
وفي شباط، أعادت غرفة تجارة الأردن افتتاح مكتب مجلس الأعمال الأردني السعودي داخل مبناها، في خطوة هدفت إلى تعزيز التواصل والمتابعة وتنفيذ مخرجات اللقاءات الاقتصادية وتسريع التعاون بين أصحاب الأعمال والمستثمرين في البلدين .
وتواصل هذا المسار خلال آب، عندما عقدت اللجان القطاعية المنبثقة عن مجلس الأعمال السعودي الأردني اجتماعاتها في عمّان، وخرجت بتوصيات لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري وزيادة التبادل التجاري وتسهيل حركة المستثمرين والسلع.
وشملت القطاعات التي بحثتها اللجان الصناعة والطاقة والتعدين، والزراعة والأمن الغذائي، والصحة والدواء والمستلزمات الطبية، والسياحة والضيافة، والاستثمار والتجارة، واللوجستيات والمعابر والموانئ، والتصدير والمعايير والمطابقة والعقود وتسوية المنازعات.
كما دعا رئيس غرفة تجارة الأردن ورئيس الجانب الأردني في مجلس الأعمال السعودي الأردني، في 30 آب، إلى إطلاق برنامج عمل اقتصادي أردني سعودي بأهداف واضحة ومسؤوليات محددة ومواعيد للتنفيذ ومؤشرات للقياس، بما ينقل العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة أكثر ارتباطًا بالمشروعات والنتائج العملية.
شراكة تنظر إلى المستقبل
هذا الحراك الاقتصادي يتزامن مع تحولات واسعة تشهدها المملكة العربية السعودية في إطار رؤية السعودية 2030، وما تتيحه من فرص استثمارية وشراكات في قطاعات متعددة، فيما يعمل الأردن في الوقت نفسه ضمن رؤية التحديث الاقتصادي على تعزيز الاستثمار والصادرات والشراكات مع القطاع الخاص.
ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة للعلاقات الأردنية السعودية مرتبطة بقدرة البلدين على تحويل الثقة السياسية والتاريخية إلى مشاريع اقتصادية أكثر حضورًا، وشراكات إنتاجية، وتعاون في مجالات التكنولوجيا والخدمات والسياحة والصناعة والطاقة والأمن الغذائي وغيرها.
فالعلاقة بين عمّان والرياض لا تقوم على ظرف سياسي عابر، وإنما تستند إلى تاريخ طويل من التواصل الرسمي والشعبي، وإلى مؤسسات وأطر تعاون قائمة، وإلى مصالح مشتركة تتسع مع تغير طبيعة الاقتصاد والتحديات الإقليمية.
«عزّنا بطبعنا».. مناسبة سعودية بروح عربية
وفي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تبدو دلالات شعار «عزّنا بطبعنا» أوسع من كونه هوية بصرية لمناسبة وطنية؛ فهو يعبر عن قيم راسخة في المجتمع السعودي، فيما تمنح العلاقات الأردنية السعودية هذه المناسبة بعدًا خاصًا لدى الأردنيين الذين يشاركون أشقاءهم السعوديين الاحتفاء بيومهم الوطني.
ومن عمّان إلى الرياض، تبقى العلاقة بين المملكتين قائمة على تاريخ من التواصل، وتنسيق سياسي وأمني مستمر، ومصالح اقتصادية متنامية، وروابط شعبية تتجاوز حدود الجغرافيا.
وفي هذه المناسبة، نهنئ المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، متمنيين لهم دوام الأمن والاستقرار ومواصلة مسيرة التنمية، ومؤكدين أن العلاقات الأردنية السعودية ستظل مساحة واسعة للعمل المشترك، وشراكة عربية تتجدد مع كل مرحلة.
كل عام والمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا بخير، وكل عام والعلاقات الأردنية السعودية أكثر رسوخًا وتعاونًا

