ليست كل الفعاليات متشابهة، كما أن العائد المنتظر منها ليس واحدًا. فهناك فعاليات تجارية لتسويق المنتجات والخدمات، وأخرى للأعمال والاستثمار وبناء العلاقات، وفعاليات حكومية للتعريف بالخدمات والمبادرات والأنظمة وغيرها من الفعاليات حسب الاحتياج التسويقي.
لكن هناك نوعًا مختلفًا يستحق التوقف عنده: الفعاليات التي لا تريد أن تسوّق لك منتجًا، وإنما أن تضيف إلى وعيك معرفةً قد ينتج عنها تغيّر في السلوك.
فعالية للتوعية بأنظمة المرور، أو التعريف بنظام جديد، أو تعزيز الوعي بالأمن السيبراني؛ لا يكون نجاحها بالضرورة في تحقيق عائد مالي، بل في قدرتها على إيصال رسالة تترك أثرًا في معرفة الجمهور وسلوكه.
وهنا تختلف معادلة النجاح.
فعندما تنتهي فعالية ما، نبدأ عادة بالقياس: كم بلغ عدد الزوار؟ وكم حققت من الوصول والتفاعل؟ وما حجم التغطية الإعلامية؟ وربما يأتي السؤال الأكثر شيوعًا: ما العائد على الاستثمار؟
كلها مؤشرات مهمة، لكن ماذا لو لم يكن الهدف تحقيق إيراد مالي من الأساس؟
هنا أعتقد أننا بحاجة إلى النظر إلى نوع آخر من العائد، يمكن أن نسميه «العائد على الوعي»؛ أي ما أضافته الفعالية إلى معرفة الجمهور وفهمه، وما استطاعت أن تغيّره في سلوكه.
ومن هنا يأتي سؤال أراه أهم من كثير من التفاصيل التنظيمية:
هل نصمم الفعالية التوعوية أولًا، ثم نبحث عن الرسالة التي نريد إيصالها؟ أم نحدد السلوك الذي نريد تغييره، ثم نصمم الفعالية التي تحقق ذلك؟
الفرق بين السؤالين كبير.
فعندما نبدأ بالفعالية، قد ينشغل الفريق بالموقع والتصميم والشاشات والبرنامج والضيوف والتغطية الإعلامية، ثم تأتي الرسالة كجزء من هذا المشهد. أما عندما نبدأ بالسلوك، فإن الأسئلة تتغير: من هو الجمهور؟ ماذا يعرف اليوم؟ ماذا نريده أن يعرف؟ وما الذي نريده أن يفعله بشكل مختلف بعد مغادرته؟
عندها تصبح الفعالية وسيلة لتحقيق الهدف، وليست هي الهدف بحد ذاتها.
ولعل التوعية بالأمن السيبراني تقدم نموذجًا واضحًا لذلك، خصوصًا مع شهر أكتوبر وما يصاحبه عالميًا من اهتمام بالتوعية بهذا المجال.
قد تنظم مؤسسة فعالية لموظفيها، يحضرها المئات وتحصل على تفاعل جيد. وهذا نجاح من زاوية الوصول والتنظيم، لكن السؤال الأهم يأتي بعدها: هل أصبح الموظف أكثر قدرة على اكتشاف رسالة تصيد إلكتروني؟ وهل أصبح أكثر حذرًا قبل الضغط على رابط مجهول؟
تخيل موظفًا حضر تلك الفعالية، ثم تلقى بعد أسابيع رسالة إلكترونية تبدو صحيحة، لكنه تذكر ما تعلمه، ولاحظ علامات الاشتباه، ولم يضغط على الرابط.
قد لا نستطيع تحديد القيمة المالية لهذا الموقف بدقة، لكن في رأيي، فإن وعي موظف واحد منعه من الوقوع في مصيدة إلكترونية قد يكون أثمن من عائد مالي مباشر حققته الفعالية؛ لأن المعرفة هنا تحولت إلى سلوك، وربما منعت خسارة أو اختراقًا لم يحدث أصلًا.
فالوعي بالأمن السيبراني لا يحمي الموظف وحده، بل يحمي المنشأة وممتلكاتها وبياناتها وخصوصية أعمالها. وقد تكون تكلفة بناء هذا الوعي محدودة مقارنة بما قد يترتب على اختراق واحد من خسائر مالية، أو تعطّل للأعمال، أو تكاليف لمعالجة آثاره واستعادة البيانات، فضلًا عن قيمة بعض المعلومات التي يصعب تقديرها بثمن. وهنا ربما يكون الاستثمار الأكبر في الفعالية التوعوية ليس فيما تحققه من عائد مباشر، بل فيما تحافظ عليه من قيمة، وما تمنع حدوثه من خسائر.
وهذه إحدى خصوصيات الفعاليات التوعوية؛ فبعض أفضل نتائجها هي أشياء لم تحدث: حادث تم تجنبه، مخالفة لم تقع، معلومة حساسة لم تُشارك، أو ممارسة خاطئة تغيرت قبل أن تنتج أثرها.
ومن هنا، فإن الوصول إلى الجمهور لا يعني بالضرورة أن الرسالة حققت أثرها. قد يشاهدها الآلاف ويتفاعلون معها، بينما يبقى المعيار الأهم هو ما إذا استطاعت تلك الرسالة أن تترك معرفة قابلة للتذكر، وأن تنعكس لاحقًا على القرار أو السلوك.
فالوصول يقيس كم شخصًا شاهد الرسالة، أما الأثر فيسأل: ماذا تغيّر بعد أن شاهدها؟
وهنا تصبح طريقة تصميم الفعالية جزءًا من الرسالة. فإذا كان الهدف حماية الموظف من التصيد الإلكتروني، فقد تكون تجربة تحاكي رسالة احتيالية وتختبر قدرته على اكتشافها أكثر تأثيرًا من محاضرة طويلة تشرح له تعريف التصيد. فالوعي لا يُصنع بكثرة المعلومات فقط، بل بطريقة تجعلها مفهومة وقابلة للتذكر والتطبيق.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية عدد الحضور أو الوصول أو التفاعل وجودة التنظيم؛ فهي مؤشرات مهمة، لكنها تخبرنا غالبًا إلى أي مدى وصلت الفعالية إلى الجمهور، وليس بالضرورة إلى أي مدى وصلت رسالتها إلى وعيه.
لذلك ربما ينبغي أن يبدأ قياس الفعالية التوعوية قبل إقامتها: ما مستوى المعرفة الحالي؟ وما السلوك الذي نريد تغييره؟ ثم نسأل بعد انتهائها: ماذا فهم الجمهور؟ ماذا تذكر؟ وهل تغير سلوكه؟
عندها ننتقل من سؤال «كم شخصًا حضر؟» إلى سؤال أكثر قيمة: «كم شخصًا خرج مختلفًا عما كان عليه قبل أن يحضر؟»
ليست كل فعالية مطالبة بأن تحقق عائدًا ماليًا مباشرًا؛ فبعض الاستثمارات تُقاس بما أضافته إلى المعرفة، وبعضها بما غيّرته في السلوك، وبعضها بما حافظت عليه من قيمة أو منعت حدوثه من خسائر.
ولهذا، عندما نخطط لفعالية هدفها التوعية، ربما ينبغي ألا يكون السؤال الأول عن المكان أو التصميم أو البرنامج، بل:
ما السلوك الذي نريد أن يتغير بعد انتهاء هذه الفعالية؟
لأن الفعالية الناجحة ليست دائمًا التي يعود منها المنظم بإيرادات أكبر، بل قد تكون تلك التي يعود منها الجمهور بوعي أكبر.
فواز بن عواد العنزي
مستشار في التسويق والاتصال المؤسسي

