في ناحية منزوية من الحي، حيث السكون والسكينة؛ في مقهى يعج بحركة العابرين… كان هناك رجل مسن، منتصب القامة، ثابت القوام، تملأ طمأنينته أرجاء المقهى، يرتشف قهوته بهدوء، ويراقب إيقاع الحياة من حوله بصمت…
لفت انتباهه ذلك شاب الذي يتنقل بلهفة بين الطاولات، يحاول جاهداً اصطياد نظرات الفتيات باختلاق أحاديث عابرة، ليُقابَل في كل مرة بصدود مهذب، أو تجاهل تام.
وعلى مقربة منه، كانت هناك فتاة تفتعل ضحكات عالية، وتصرفات استعراضية، تستجدي بها انتباه الشباب في المكان.
كان المشهدان يترجمان الجوع ذاته؛ رغم اختلاف الأشخاص والأساليب.
وبعد دقائق، أسقط الشاب نفسه على كرسيٍ مجاور للشيخ، وقد بدا عليه الإرهاق والإحباط من محاولاته البائسة.
وفي اللحظة ذاتها تقريباً، تخلت الفتاة عن قناعها الاستعراضي وجلست على الطاولة المقابلة، تسند رأسها بيدها في انطفاء واضح، بعد أن أدركت أن ضجيجها لم يجلب لها سوى نظرات عابرة لا تروي ظمأها الداخلي.
التفت ذلك الشيخ الحكيم إليهما بابتسامة هادئة تجمع بين العطف والفهم، وأشار بعصاه إلى ظليهما الممتد بوضوح على الأرض بفعل أضواء المقهى، وقال بصوت منخفض وبالغ: "إن ركضتما خلف هذا الظل فسيظل هارباً منكما مهما فعلتما، ولكن إن أدرتما له ظهريكما ومشيتما نحو النور، فسيتبعكما طائعًا أينما ذهبتما طوال الوقت...
لقد كان حديثه كالصدمة التي يعقبها ذبول… ثم إشارة بسبابته بحزم وقال: إن الحب دليل الحب… لا وإن طلبك للحب، إشارة إلى اعتلال حبك… أوجد المفقود ولا تطلبه! فالطلب أخو الهرب…!".
إن هذا اللهاث المستمر خلف المشاعر، يضع الإنسان في موقف المحتاج المفتقر، تماماً كمن يقف بجوار نبع ماء عذب، لكنه يبكي من العطش، ويستجدي قطرة ماء من العابرين! متناسياً أن الحل يكمن في أعماق روحه حيث يتدفق نبع حبه الخاص.
فمن يطارد الآخرين للحصول على الحب كحال الشاب، أو يستعرض لجذب انتباههم كحال الفتاة، يعاني غالباً من جفاف داخلي؛ إذ أن الحب السليم ينبع من الداخل أولاً، وهو يثبت نفسه بنفسه، كالشمس التي لا تحتاج إلى من يبرهن على إشراقها.
إنه ليس مجرد صفقة عابرة أو محاولة لإثبات الذات في عيون الآخرين، بل هو حالة وجودية خالصة نعيشها ونتنفسها؛ فنمشي بحب، ونتحدث بحب، وننظر للأشياء والمواقف بعين ممتلئة بالرضا والحب.
وعندما تصل الروح إلى هذه الدرجة العالية من الصفاء، ستدرك حينها أن عليها ترميم نفسها من الداخل.
فبدلاً من الركض المنهك خلف الفراشات لاصطيادها، علينا أن نعتني بحدائقنا الخاصة، وأن نزرع الورد في أعماقنا،. وستأتي الفراشات إلينا من تلقاء نفسها.
ولكن، في زحمة ركضنا اليومي ومحاولاتنا المستميتة للفت الانتباه… متى سنتوقف عن مطاردة الظلال، لنلتفت إلى النور الذي بداخلنا؟

