وقّعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية هذا الأسبوع اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة النووية. إلا أن الرئيس الأمريكي أعلن أن إتمام هذه الاتفاقية والمضي بها قدمًا مرتبط بانضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام. وبمعنى آخر، فإن الاتفاقية ستظل معلّقة ما لم تتخذ السعودية هذه الخطوة السياسية.
لقد عُرف عن العرب عبر التاريخ اهتمامهم باقتناء أحدث التقنيات والخبرات من مختلف أنحاء العالم، وهو أمر إيجابي بحد ذاته، لكن الأجدر أن يقترن هذا السعي إلى الشراء ببناء القدرات الذاتية من خلال التعليم والتدريب ونقل المعرفة.
ومن هذا المنطلق، فإن من المؤسف أن ترتبط هذه الاتفاقية النووية بشروط سياسية قد تمس استقلال القرار السعودي. فالخبرات النووية التي قد تحصل عليها المملكة من الولايات المتحدة يمكن، بحسب هذا الرأي، الحصول على مثيل لها من دول أخرى مثل باكستان أو الصين بتكاليف أقل وشروط أكثر مرونة.
كما أن التجارب السابقة مع بعض الاتفاقيات الأمريكية تثير تساؤلات حول مدى الاعتماد على واشنطن في المجالات الاستراتيجية؛ إذ إن الولايات المتحدة كثيرًا ما ربطت التعاون العسكري والتقني بشروط سياسية، أو فرضت قيودًا على قطع الغيار والدعم الفني بعد إتمام الصفقات.
إن قضية الطائرة الفاخرة التي قدمتها قطر للرئيس الأمريكي مثال آخر على طبيعة التعامل الأمريكي مع حلفائه. فقد ظلت الطائرة، رغم تصنيعها في الولايات المتحدة وتحت إشراف أمريكي كامل، موضع جدل وانتقادات علنية لفترة طويلة بسبب مسائل تتعلق بالأمن والاتصالات والتجهيزات. ويرى البعض أن مثل هذه القضايا كان يمكن معالجتها بهدوء بعيدًا عن الإعلام، بدلًا من أن تتحول إلى مادة للانتقاد العلني.
ولا ينسى السعوديون التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأمريكي خلال ولايته الأولى، عندما قال إن السعودية قد لا تصمد طويلًا دون الدعم الأمريكي. مثل هذه التصريحات أثارت استياء كثيرين، خصوصًا أن العلاقات بين السعودية وباكستان، وبين العالم الإسلامي عمومًا، تقوم على روابط تاريخية ودينية عميقة.
لقد عانت باكستان نفسها من تجارب عديدة مع السياسات الأمريكية؛ فكانت بعض الصفقات العسكرية مرتبطة بقيود سياسية، وتم في أوقات مختلفة تعليق إمدادات أو قطع غيار أو تعاون استراتيجي رغم وجود اتفاقيات مسبقة. ولذلك يرى البعض أن الدول الإسلامية ينبغي أن تستفيد من هذه التجارب عند بناء علاقاتها المستقبلية.
أما الولايات المتحدة، فهي تواجه اليوم تحديات دبلوماسية متزايدة في علاقاتها مع عدد من حلفائها وشركائها. فقد ظهرت خلافات واضحة بينها وبين بعض الدول الأوروبية، وكندا، ودول أخرى حول قضايا التجارة والسياسة الخارجية والأمن. وقد دفعت هذه التطورات بعض الدول إلى إعادة تقييم سياساتها الدفاعية والاستراتيجية.
وفي ظل هذه التحولات العالمية، يرى البعض أن أمام المملكة العربية السعودية فرصة لتعزيز التعاون مع القوى الإقليمية الصاعدة، مثل باكستان وتركيا ومصر، ضمن إطار تعاون استراتيجي يخدم مصالح المنطقة. فهذه الدول تمتلك خبرات وقدرات يمكن أن تسهم في تلبية العديد من احتياجات المملكة في المجالات المختلفة.
إن ربط التعاون النووي السعودي بشرط سياسي يتعلق باتفاقيات أبراهام يثير نقاشًا واسعًا في العالم الإسلامي. فالقضية بالنسبة لكثيرين ليست مجرد اتفاقية تقنية، بل تتعلق أيضًا بالسيادة والاستقلال في اتخاذ القرار.
وإذا كانت دول محدودة الموارد قادرة على اتخاذ مواقف سياسية مستقلة وفقًا لرؤيتها ومصالحها، فإن المملكة العربية السعودية، بما تملكه من مكانة دينية واقتصادية وسياسية كبيرة، قادرة على اختيار الطريق الذي ينسجم مع مصالحها وقيمها.
ويبقى الخيار الأفضل، من وجهة نظر كثيرين، هو أن تسعى المملكة إلى بناء شراكات تقوم على نقل المعرفة وتطوير القدرات الذاتية، بحيث تكون أي اتفاقية استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل، والاستقلال، والمصلحة المشتركة، بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الشروط الخارجية.
*كاتب المقال هو أستاذ متقاعد من الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد

