تتنوع طبائع البشر وتختلف مهاراتهم بشكل طبيعي ومدهش؛ فلا يوجد إنسان يشبه الآخر تماماً في طريقة تفكيره أو أسلوب تعامله مع أمور الحياة.
وهذا الاختلاف ليس عيباً أو محض مصادفة، بل هو السرّ الحقيقي وراء نجاح أي مجموعة أو عائلة أو فريق عمل.
فالبيئة الناجحة لا تستقيم بشخصية واحدة مهما كانت عبقريتها، بل تتطلب تكاملاً بين أنماط مختلفة يُطلق عليها "البصمات السبع"، وهي طبائع أساسية يكمل بعضها بعضاً ليصل الجميع إلى بر الأمان.
ولتقريب هذا المعنى بأسلوب بسيط، يمكن تأمل حكاية قرية صغيرة عاش أهلها على ضفة نهر جارٍ، وأرادوا بناء جسر قوي يربطهم بالضفة الأخرى لتزدهر حياتهم وتسهل تجارتهم.
احتار السكّان في البداية، ثم اكتشفوا أن نجاح هذا المشوار يتطلب سبع شخصيات تحمل كل منها بصمة فريدة لا غنى عنها.
بدأت القصة حين وقف الجميع مترددين أمام هيبة النهر المندفع، فظهرت (بصمة القائد الشجاع)، وهو الشخص الذي يمتلك جرأة الحسم، حيث تحرك وحسم التردد بكلمة واثقة وقال: "سنبدأ العمل من هنا فوراً"، متحملاً المسؤولية بروح جسورة.
ومع بداية التعب واشتداد حرارة العمل، برزت (بصمة الحنون السمح)، وهو الإنسان اللطيف الذي يوزع الابتسامات، ويقدم الماء والطعام، ويهدئ النفوس إذا غضب أحدهم، فلولاه لتفرق العمال بسبب الإرهاق والجفاف العاطفي.
ولكي لا ينهار البناء مع مرور الأيام والسيول، جاءت (بصمة المخطط بعيد النظر)، وهو الذي لم يحمل الحجارة بيديه، بل جلس يتأمل الوادي ويرسم في ذهنه شكل الجسر بعد سنوات طويلة، متأكداً من قدرته على الصمود أمام تقلبات الزمن.
وفي وسط الطريق، اعترضت العمل صخرة ضخمة عجز الجميع عن تحريكها، وهنا لمعت (بصمة المبدع المرن)، وهو الشخص اللبق الذي ابتكر فكرة بسيطة للدوران حول الصخرة بسلاسة دون هدر للوقت، وحل الخلافات بين العمال بابتسامة وكلمة طيبة.
ومع تصاعد خطوات البناء، كان لا بد من وجود (بصمة الدقيق المنظم)، وهو الشخص الذي يمسك شريط القياس ويحسب وزن الحجارة وسمك الخشب بدقة شديدة، معلماً الجميع أن أي خطأ صغير قد يسبب تسرب المياه لاحقاً. ولكي لا يضعف الحماس مع طول الأيام، تدفقت (بصمة المخلص الوفي)، وهو الشخص الذي أحب فريقه بصدق، وكان يذكرهم كل غروب بأهمية هذا الجسر لأبنائهم ومستقبل قريتهم، زارعاً الأمل في قلوبهم. وأخيراً، اكتمل الإنجاز بظهور (بصمة الصانع المنفذ)، وهو الرجل الصبور الذي أخذ الخرائط والأفكار ونزل إلى التراب ليبني الحجر فوق الحجر بيديه الماهرتين، حتى صار الجسر واقعاً يمشون عليه جميعاً.
هذه الحكاية البسيطة عن بناء الجسر لا تتوقف عند حدود القرية، بل هي النموذج المثالي الذي يجب أن يقوم عليه أي مجلس إدارة ناجح في عالمنا اليوم.
إن أي شركة أو منظمة تطمح للاستدامة والتطور تحتاج إلى جمع هذه البصمات السبع حول طاولة واحدة؛ فالجرأة في اتخاذ القرارات الصعبة تجسدها شخصية القائد، والأجواء الإنسانية الداعمة يحفظها الحنون السمح، والرؤية المستقبلية يرسمها المخطط بعيد النظر. كما أن حل المشكلات غير المتوقعة يتطلب المبدع المرن، وضبط الأرقام والسياسات يحتاج إلى الدقيق المنظم، وتشجيع الفريق وبناء الولاء يرتكز على المخلص الوفي، بينما تتحول الخطط والنظريات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع بفضل الصانع المنفذ.
حين تتجمع هذه البصمات السبع في مجلس الإدارة، تتحول المؤسسة إلى كيان حي متكامل لا يغفل فيه جانب على حساب آخر. ويدرك القادة حينها أن السر لا يكمن في أن يكون الفرد شاملاً لكل شيء، بل في أن يستوعب أصحاب القرار أن قوة أي فريق تكمن في تنوعه، وأن نجاح المؤسسات هو ثمرة طبيعية للتكامل البسيط والصادق بين هذه الطبائع السبع.

