تخيّل بيتاً دافئاً وآمناً، يدخله شخص واحد، فيحول كل كلمة طيبة إلى إهانة، وكل موقف عابر إلى مؤامرة! هذا الشخص ليس خبيثاً بالضرورة ولا يتعمد الإيذاء؛ بل قد يكون صادقاً في مشاعره ويعتقد بداخل أعماقه أنه مظلوم بالفعل.
ولكن النية الحسنة وحدها لا تكفي؛ لأن العبرة دائماً بالنتائج.
فهو بهذا الأسلوب يدمر نفسه ويؤذي من حوله وهو لا يدري ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ومن هنا، يجب التمييز بين مظلوم حقيقي يستحق الدعم، وبين من اتخذ المظلومية نمط حياة.
تبدأ جذور هذه الشخصية غالباً من الطفولة؛ بسبب صدمات قديمة، أو إهمال، أو قسوة، أو تدليل مفرط؛ فيترسخ لدى الطفل أن إظهار العجز هو السلاح الوحيد للفت الانتباه والتنصل من المسؤولية.
يعيش هذا الإنسان على "المكسب الثانوي"؛ فالشكوى المستمرة تعفيه من مواجهة أخطائه، ظاناً أن ماضيه يمنحه رخصة مفتوحة للخطأ، والحقيقة أن الماضي يفسر السلوك لكنه لا يبرر الاستمرار فيه. وهذا الوهم يدمّر صاحبه بالرجة الأولى؛ فيسقطه نفسياً في بئر الاكتئاب المزمن، والقلق، والشكوك المرضية، امتدادًا إلى اضطرابات القولون العصبي، وارتفاع ضغط الدم، وضعف المناعة، وأرق الليل.
وعندما يتسلل هذا السلوك إلى الأسرة، فإنه يقتل السكينة؛ بنقل الكلام المحوَّر، وتقسيم البيت إلى أحزاب.
كما تتحرك هذه الشخصية بذكاء داخل "مثلث الدراما"؛ فتلعب دور الضحية لتجبر المقربين منها على لعب دور "المنقذ"، فإن عجز المنقذ أو نصحها بالعقل والاتزان، انقلبت عليه واعتبرته "جانياً" جديداً!
هذا النزاع المستمر يصيب الأهل بـ "إرهاق التعاطف"، ويستنزف طاقتهم حتى يغيب الأمان عن البيت.
إن حماية البيوت ليست قسوة، بل واجب.
لذا علينا أن نعتمد أسلوب "الصخرة الرمادية" من خلال أسلوب الردود الحيادية مثل: "فهمت وجهة نظرك".
والتعبير بلغة الحدود الشخصية: "أنا لا أستطيع النقاش في ظل هذا التوتر"، بدلاً من الاتهام المباشر.
وتحويل الحوار فوراً نحو الحلول العملية: "ما هي خطتك لتجاوز هذه المشكلة؟"
وحسم نقل الكلام بوضوح: "أنا لا أحب الحديث عن أحد في غيابه".
إن وضع الحدود ليس قسوة، بل حبل نجاة للجميع.
وهنا يبقى السؤال المهم: هل نحن حقاً نساعد من نحب حين نسايرهم في وهم الضحية، أم أننا شركاء في غرقهم؟
ولكن السؤال الأكثر أهمية: هل أنا أرتدي ثوب الضحية، وأحمل في داخلي لك السجّان الذي يدمرني ويدمر من أحب، وأنا أحسب أني أحسن صنعاً؟

