في السابع من نيسان من كل عام، يقف العالم صمتاً أمام ذكرى مؤلمة بدأت في رواندا عام 1994، حين تحول الجار إلى قاتل والصديق إلى جزار في مأساة حصدت أرواح مليون إنسان خلال مئة يوم فقط.
إن هذه الذكرى ليست مجرد أرقام، بل هي صرخة تسألنا جميعاً بمرارة: لماذا أصبح الإنسان بهذا الرخص؟ وكيف استطاعت آلة الكراهية أن تقنع بشراً بذبح جيرانهم بالمناجل لمجرد أن بطاقة الهوية تقول إنهم مختلفون؟ تبدأ قصة هذا الهوان والوحشية من الكلمة؛ فقبل أن تضرب المناجل الأجساد، كانت الإذاعات والخطابات تصف الضحايا بالحشرات والحيوانات لنزع صفة الإنسانية عنهم وتسهيل قتلهم دون شعور بالذنب، وهو نهج تكرر في تاريخ البشرية حتى مآسي العصر الحديث في سربرنيتسا وفلسطين وغيرها.
إن هذه الإبادات التي يستحلها المجرمون ويقف أمامها الضعفاء المتخاذلون صامتين، ليست مجرد فوضى، بل هي في عمقها سنة كونية يتدافع بها قوى الخير والشر. فحين تتدنى القيم الإنسانية ويتفشى الظلم داخل الدوائر الضيقة، بدءاً من الأسرة الصغيرة التي هي خلية المجتمع الأولى، تصاب البشرية بانتكاسات أخلاقية كبرى. وعندما يسود الظلم في الصغائر، ينمو الوحش حتى يخرج في صورة جرائم وحشية تصعق الضمير العالمي، لتعيد الموازين إلى نصابها من جديد وتصقل جوهر الخير ليكون في صورته الأقوى والأبهى من خلال التضحية والمقاومة الأخلاقية.
لكن الوجع الأكبر يكمن في مظهر العدالة الدولية الانتقائية، حيث نرى ازدواجية في المعايير تجعل دم الإنسان العربي والمسلم أرخص في الميزان العالمي. فبينما تتحرك الأجهزة الدولية بسرعة وتفان في نصرة نزاعات معينة، نجدها تتباطأ أو تصمت أمام الإبادة المستمرة في أماكن أخرى وفي غزة تحديداً، حيث يُحرم الناس من أبسط مقومات الحياة. وفي قلب هذا الظلام العالمي، تبرز منارة العمل الإنساني ونصرة المظلومين والمنكوبين في كل بقاع الأرض، دون تفرقة أو تمييز متمثلة في المملكة العربية السعودية.
إن جهود المملكة في دعم الشعوب المضطهدة، سواء في فلسطين أو في غيرها، ليست مجرد مواقف سياسية عابرة، بل هي نابعة من قيم دينية عميقة وشيم عربية أصيلة وأخلاق إنسانية راسخة. هذه الروح المعطاءة لم تكن يوماً غريبة على قيادة المملكة وشعبها؛ فهي ثقافة توارثها الأبناء عن الآباء، أثمرت لحمة وطنية فريدة وثقة متبادلة بين المواطن وقيادته، حيث يرى الجميع أن قوة المملكة الحقيقية تكمن في إيمانها برسالتها السامية.
ولأن يد المملكة تمتد دائماً بالخير للبعيد والقريب، فإن حفظ الله لها وحمايته لأمنها واستقرارها يأتي تصديقاً لقوله تعالى "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان".
وفي النهاية، يجب أن ندرك أن لون الدم واحد، والوجع لا يفرق بين دين أو عرق. وأن قيمة الإنسان تكمن في كونه إنساناً فقط، والسلام الحقيقي لن يتحقق إلا إذا آمنا بأن كل إنسان هو (أنا). التاريخ يثبت أن الصمت أمام الكراهية هو الضوء الأخضر الأول للمجزرة، وأن الدفاع عن المظلوم هو دفاع عن كرامتنا جميعاً. فبقدر ما نزرع من قيم العدل في بيوتنا ومجتمعاتنا، وبقدر ما نتمسك بمبادئ النصرة والعون كما تفعل بلادنا، بقدر ما نقي أنفسنا والبشرية من السقوط في هاوية الوحشية مرة أخرى، ونبني عالماً يسوده الاحترام، وتصان فيه الأرواح.

