ينطلق الإنسان في حياته حاملًا شراعًا الأمل، محمّلًا بأحلامه ونواياه الصادقة. ولكن سرعان ما تتسلل رياح المعاكسات إلى قلبه، فتصبح رحلته أشبه بإرسال رسول إلى هدفٍ محدد، ثم يُتبعه بمجموعة أشخاص يعيقون طريقه… لنتأمل أنفسنا حين نقول: «نريد شراء سيارة جديدة». في تلك اللحظة، تهتف المعاكسات: «إنه فخّ الأقساط والديون». ثم يأتي الصوت التالي يتماهى مع الأول: «أليست السيارات الحديثة رديئة الصنع؟» ثم تنهال المخاوف والشكوك المشابهة بغزارة حتى يفقد الإنسان عزمه.
وبنفس الوتيرة، ينبثق في أرجاء العقل صدى الهدف المشترك بين البشر: «أريد الزواج»، فيرتدّ الصوت الساخر المعاكس: «رباط الزواج قيدٌ ثقيل، التزامات لا تنتهي، مشاكل الأسر تلتفّ كالثعبان حول عنق السعادة». وهنا يُسدل الستار على مسرح الحلم قبل أن يبدأ العرض.
إن أسباب هذا التقهقر عديدة، وأولى محطاته الشكّ حين يشتغل الذهن على نوايا الخير بصورةٍ مبالغة، فيبرر كل عائقٍ ويضع له حججًا وأدلة. ثم تتوالى المعاكسات وكأنها فريقٌ يحتلّ الصدارة بوجوه متعددة: الارتباك المالي، الظروف الاجتماعية، عدم كفاية الوقت… الخ فتكون هذه العوامل بمثابة أعوادٍ مهترئة تحط من قداسة «القدرات الشخصية»، فتهوي بها إلى قاع حطيم.
لكن، ماذا لو اعتبرنا هذه المعاكسات مجرد خصومٍ نتدرّب على مواجهتها؟ تمامًا كما يُرسَل الجندي إلى ميدان المعركة، ويعلم أن معاركه لن تكون ضد عدو ظاهرٍ واحد، بل ضد جيشٍ من الأفكار السوداء التي تحاول اختراق حصون إيمانه.
يمكن للإنسان أن يشرع في تقليص مساحة هذه المعاكسات، عبر خطوات بسيطة: منها تدوين الهدف بخطٍ واضح في ورقةٍ معلقة أمام العين، ثم تسجيل أسباب تُعزّز هذا الهدف وتضفي عليه قيمًا إيجابية. مثلاً: «شراء سيارة جديدة» يصبح: وسيلة للراحة في التنقّل، رمزٍ لاستقلاليتي المالية، مطلبٌ يحقّق راحة عائلتي. وعند «الزواج»: شريكٌ يشاركني أفراحي وأحزاني، بناءُ أسرةٍ مستقرة، تعاضدٌ أمام تحديات الحياة.
كما يُفضّل تخصيص لحظاتٍ يومية للتأمل والاستماع إلى الصوت الداخلي، وفصله عن صوت الشكّ الذي يتسلل في لحظات التعب والإرهاق.
في لحظة الهدوء هذه، يمكن استعادة الحافز الأول، ذلك الشعور النقيّ الذي دفعنا إلى الحلم. وهي كذلك فرصةٌ ثمينة لتهذيب الأفكار السلبية واستبدالها بصورٍ مشرقة وأفعالٍ قابلة للتنفيذ.
إنّ رحلتنا في هذه الحياة على مضمار نتخطّى به عثرات العقل المتمرد. فإذا شعرنا بالتعب، فلنتذكر اننا لسنا وحدنا في هذه المعركة، فكل إنسانٍ قد أصابه يومًا ذاك الإحباط. والفرق الحقيقي بين الناجحين والمهزومين ليس في عدم وقوعهم في الشكّ، بل في قدرتهم على إعادة بناء عزيمتهم، والعودة إلى القمة التي تبدأ دائمًا بالتخلص من أصوات المعاكسات الداخلية، والانطلاق نحو الأفق المفتوح بكل ثقةٍ وإصرار.

