سؤال شغلني كثيرا من يتحمل مسؤولية تغيير عقل ابن شقيقي ذي الثمان سنوات من رغبته واصراره على ان يكون طبيبا في المستقبل يعالج علل جدته وجده المسنان الى ان يكون لاعب كرة قدم ؟.
اول امس وكالعادة رحبت بهذا الصغير الذكي بعد عودته من سفرة قصيرة اهلا بالدكتور الطبيب في المستقبل والذي سيعالج أجداده واهل مدينته او قرية اباءه!! فاعترض بقوة لا يا عمو لا تقول طبيب رجاءا بل قل اللاعب سيف؟.
صحيح في الماضي كان مشاهير الكرة يستقطبون اهتمام الشباب والكبار بقدر معقول جرعة غير ضارة من الاعجاب بالموهبة والفن في اللعب اما الان فبسبب كمية الميديا التي تضخ في سماء مفتوحة ونوافذ افتراضية لا تعد ولا تحصى بات تغيير الافكار والقيم والطموحات سهلا الى حد انه يمكن القول ان تصبح مدمنا على متابعة لاعب او ما بات يدعى بظاهرة المؤثرين وان اغلبهم يمكن ان نسميهم المدمرون!! امرا معتادا لدى اجيال من شباب المستقبل وبناة الاوطان.
سالت استاذا في علم النفس عن هذه التحولات الكبرى في ان لاعب الكرة الذي مجده وعمره الابداعي القصير اصلا يتركز في ساقه والتي لو كسرت لا سمح الله لانكسر مجده وغابت شهرته وانطفا بريقه بينما الطبيب الذي يمضي سبع سنوات عجاف مضنيات في الدراسة والسهر والتدريب وقبلها الفوز بالمعدل الماسي والذي يؤهله القبول في احدى كليات القمة أصبحت وظيفة لا قيمة لها في عقول وقلوب النشيء الجديد؟.
اجابني انه طغيان القيم المادية في المجتمعات المعولمة بحيث ان وسائل التواصل والاعلام الذي يخصص لميسي او رونالدو أو بابو او محمد صلاح أو الخ مساحات كبرى من الاهتمام والمتابعة ويتابع حجم ثروانهم خلال بضعة سنوات بمئات الملايين من الدولارات ويتنقلون بطائرات خاصة وبسكنون القصور وسط حراس منتبهون وسيارات مصفحة ماذا ينتظر من مهنة طبيب يتوظف بالف دولار باحسن الاحوال ويخضع للعمل في الارياف وينتقل بوسائل النقل العام ويستطيع مدير شؤون الافراد خريج الدراسة المتوسطة من معاقبته بالتوبيخ او حتى النقل الى منطقة نائية!!! أو ينتظر من مهندس كهرباء أو معماري يتعين اذا كان من ذوي الجاه العائلي باربعمئة دولار وبخلافه سينضم الى قائمة العاطلون أو التسمية المهذبة الباحثون عن عمل!!
أو ان يبرز كاتبا أو شاعرا أو يشتعل عقله علما ليكون عالم ذرة او او رائد فضاء.
لا بد من طرح السؤال بصيغة افضل، هل ان مجتمعاتنا استغنت عن مهنة الطبيب الذي داوى ليلى العراقية قديما و مجدي يعقوب طبيب القلب الشهير وهل يستغني مجتمعنا عن المهندسة زها حديد وعن فاروق الباز عالم الفضاء العربي في وكالة ناسا وعن العالم المغربي والطبيب الذي ادهش امريكا ومواطنه الاخر الذي اخترع بطارية الليثيوم..
اين احتجب نجوم الشعر والفن والابداع والرواية في بلداننا العربية الذين كنا نتغنى باشعارهم أو نتناقش في رواياتهم ا ووووو الخ
نحن امام ظاهرة تقزيم جواهر الابداع في المجتمعات واللهاث وراء قشور المشاهير الخادعة والتي سرعان ما تعطب وتتلاشى وتندثر. .
انا متابع لكرة القدم بشغف ولكن الفكرة هو التوازن في القيم الاجتماعية هو المقصود.
.
كاتب واكاديمي من العراق

