تأخذك في مقصورة الحرف ومركبة السطور في رحلة ممتعة؛ لتكتشف ذاتك المجهولة، وتذهب بك إلى تجاويف عقلك الباطن حيث الكثير من الألغاز والقصص المبهمة سكنت اللاواعي منذ نعومة أظفارك ولم تجد لها تفسيراً فتركتها على رفوف النسيان ريثما تمر لحظة اليقظة المعرفية لتلك الأشياء؛ فكم نصٍّ قرأناه فأعادنا إلى الوراء ليُفسر لنا غموضاً تراكم عليه غبار الزمان حتى كادت تندثر معالمه!
هنا سر كبير من أسرار القراءة ولمحات الاطلاع وثمرات النظر في صفحات الكتب؛ فهي تقتادنا قسراً إلى النور؛ لنرى عالَمًا آخر من الضياء الذي يسكن عقل ذلك المؤلف؛ إرشاداً للتائهين ومتاعاً للمقوين.
قال أحد الفلاسفة : ” الكتب سعادة الحضارة بدونها يصمت التاريخ ويخرس الأدب ويتوقف العلم ويتجمد الفكر والتأمل “
ويقول الجاحظ "إن الكتاب يُقرأ بكل مكان ويظهر ما فيه على كل لسان ويوجد مع كل زمان وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه ويذهب العقل ويبقى أثره ”
ولو لم نكن بحاجة لتلك القراءة التي استثقلناها كثيراً حتى تركناها جانباً لما جاءت "اقرأْ" في أوائل التنزيل على النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.
ولا يمكن لأحد أن يولد محباً للإطلاع فهذا من العادات المكتسبة والتي تُربى عليها النفوس بالتدرب والتدرج والمجاهدة فأحياناً تكون قراءة بعض الكتب أقوى من أي معركة كما يقول هنري والاس
ولا غرابة أن صدر الأمة أدرك ذلك السر فاستغرق في خضم ذلك البحر بين التأليف والتصنيف والقراءة والبحث والتدقيق والنقل وكل فنون الاطلاع بشتى مدارسها المتنوعة منطلِقًا من نور تلك البذرة "اقرأْ" التي استغلظت فاستوت على سوقها ثم آتت أكلها كل حين بإذن ربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فتحول جيل ذلك الصدر من رعاة الغنم إلى قادة للأمم، ثم خبا ذلك الوهج حتى كاد أن يُعتم.
نحن اليوم بحاجة إلى فهم أعمق لـ" إقرأ " لنقرأَ.

