لا أحد يستطيع أن يُنكر فائدة وإيجابيات التطور الهائل في خدمة وتقنيات الجوالات الذكية على مستوى الكرة الأرضية عموماً ، ومما لفت نظري للكتابة في هذا الموضوع هو أنني قرأتُ قبل أيام من مذكرات مدير مدرسة وجد عند أحد طلابه المراهقين في أول ثانوي جوالاً وقد كان يتصفح به أثناء الدرس فأخذه الأستاذ إلى الإدارة وصادر جواله والقانون يقول لن يأخذه إلا بنهاية العام الدراسي ، يروي المدير صاحب المذكرات حالة الطالب المراهق وتعابير وجهه التي تنِّمُ عن حصول مصيبة عظيمة في حياته حتى أنه كان يبكي بحرقة وهو يتوسل للمدير بإعادة جواله له ويتعهد بعدم فتحه أثناء الدروس ، لكن المدير كان مُصرَّاً على حجز الجوال حتى نهاية العام مما حدى بالطالب أن يقول للمدير : أنتَ لا تعلم ماذا يعني هذا الجوال بالنسبة لي إنه حياتي برمتها ..... هذه الكلمات هي ما استوقفتني لكتابة هذه المقالة .
والآن ننتقل إلى الصورة الواقعية لشبابنا وبناتنا ممن هم ولدوا مع وجود هذا الجوال (قبل أن يُصبح بهذا الذكاء المفرط ) ثمَّ تطور وهم يواكبونه في كلِّ مرحلة من مراحل تطوره ، حتى سلبهم هذا الشيء راحتهم النفسيَّة وأقلق عليهم نومهم الهادئ وأخذهم في رحلة إلى عالم الكبار البالغين الغامض لكي يكتشفوا بواطنه خيره وشرِّه ،وشرِّه يفوق خيره بأضعاف كثيرة ، إنَّ الإدمان على هذه الأجهزة الحديثة بما فيها من سحر وقوة جذب لاهتمام المراهقين الأجيال القادمة .
فماهي قوة تأثير هذا الجوال على السايكولجية النفسية وتأثيره على تكوين شخصيات الجيل الجديد (جيل المعلومات الرقمية ) ؟ .
أول ما يشعر به أبناء جيل الجوال هو فقدان الصبر وعدم التروي في اتخاذ القرارات ، ثمَّ يفقد الرومانسية والشاعرية فلو طلبت من أحدهم أن يقرأ لك قصيدة واحدة من المعلقات لتذبذب وحاول الاعتذار بأنها طويلة ومملة ولا تناسب ذوقه ، وأما الروايات وقراءة الكتب من الكتاب فهذه هي قمّة الملل لدى هذا الجيل وكلُّ ذلك من تأثيرات وسحر هذا الجوال وشئنا أم أبينا فهو قد غزى العقول وتحكم بالوقت وتحكم بنمط الحياة بل تحكم كلية بمنهجية التفكير ، وساهم بقوة في تشكيل شخصية المراهق ،هذه الجوالات أخذت عقول المراهقين إلى غير رجعة وأسست فيهم نمط جديد كما يريد مخترع التطبيقات ، فهناك شخصيات بطولية بداخل التطبيقات ومشاهد بصرية يتم صناعتها وفق رغباتهم ووفق ما يهواه الشباب من لعب ولهو وسباقات وعصابات وحدّث ولا حرج أصبحت تلك الشخصيات الافتراضية هي القدوة ، والمراهق يحاول جاهداً تقليدها بكلِّ ما أُوتيَّ من جهد ، لقد نسي حضن أمه ، بل أصبح يهرب من صالة الجلوس العائلية لينزوي بغرفته متخذاً عزلة خاصة بجواله ليدخل إلى عالمه الرقمي مع الشخصيات الوهمية الافتراضية التي سلبت منه المشاعر والاحساس بقيمة الحياة الطبيعية بين أفراد الأسرة وتبقى علاقته بأقرانه وبأصدقائه علاقة تواصل عن طريق أدوات التواصل بالكتابة والرموز التي تمَّ وضعها بالتطبيق والتي تعبر عن حالة المتصل من غضب أو فرح أو استنكار ، وحرّم على نفسه متعة الجو الطبيعي الذي يتبادل فيه الأصدقاء خلال اجتماعهم النكات والمعلومات والقصص .
أصبح الجوال هو عالم المراهق فعندما قال الطالب للمدير : إنه حياتي ... فقد صدق إنه حياته لأنه لم يتعود أن يعيش منخرطاً في المجتمع والأسرة بل أصبح يعيش عالمه من خلال هذه الشاشة الصغيرة وبلمسة من إصبعه يطلب ما يشاء وبأيِّ وقتٍ يشاء أيضاً .
والأخطر من ذلك سلبت منه الانتماء الأسري لأنه لا يشاهد إلا عالماً يخلوا من الترابط إلا في حدود المصلحة ، والخطر الآخر هو تداخل المعلومات الواقعية مع المعلومات الرقمية في رأسه الصغير مما يُسبب له ارتباك واهتزاز وخلل في الرؤيا .
هل نحن ذاهبون إلى عالم آخر بعيداً عن عالم الواقع هل يأتي زمان على الأجيال القادمة لا يذهبون إلى الحدائق لأنهم لا يستمتعون بالنظر إلى الخضرة والورد فقد يجدها بجواله وقد تكون أكثر جمالاً من حديقة الحي الطبيعية ؟ فقد استبدل الحقيقة بالصورة فلم يعد يعرف قيمة الورد الطبيعي وبذلك يفقد القدرة على تذوق الجمال الطبيعي ، هل يفقد الجيل القادم التواصل الاجتماعي ؟ فقد أصبح الجالسون في غرفة واحدة لا يتكلمون مع بعضهم والجميع غارق في شاشة جواله وإذا أعجبه مقطع أو فيلم قام بإرساله إلى من يجلس معه بنفس الغرفة دون أن يتكلم معه ..... قرأت قبل أيام عن جوال جديد اسمه : المصباح السحري ، وهو آخر تطورات الأجهزة الذكية التي تأخذ معلوماتك وتحلل شخصيتك لتقدم لك ما تريده بدون أن تطلبه .... إنه المصباح السحري بمجرد أن تلمسه يقول لك " شبيّك لبيك جوالك بين إيديك ولاشيء يغلى عليك والعالم كله بين يديك .....

