في زحمة الحياة وكثرة العلاقات وتشعبها، نحتاج إلى قاعدة بسيطة تضبط لنا بوصلة علاقاتنا وتوفر علينا الكثير من العناء والخذلان. وقد لخصها الحكماء في عبارة بليغة من ثلاث جمل: *(حاور من يحترمك، وشاور من يحبك، وجاور من يشبهك)*.. عبارة لو تأملناها لوجدناها دستوراً كاملاً للحياة الاجتماعية السعيدة.
*حاور من يحترمك*
الحوار هو أعلى مراتب التواصل الإنساني، وهو ليس مجرد تبادل كلمات، بل هو احترام متبادل للعقول والأفكار.
كم من حوار دخلناه بحسن نية فخرجنا منه مجروحين، ليس لأن أفكارنا خاطئة، بل لأننا اخترنا الشخص الخطأ للحوار. هناك من يحاورك ليهزمك، وهناك من يحاورك ليفهمك. الأول يبحث عن زلة لسان، والثاني يبحث عن نقطة التقاء.
احترام المحاور يظهر في إنصاته، في عدم مقاطعته، في تقديره لوجهة نظرك حتى لو لم يقتنع بها. ديننا الإسلامي علمنا أدب الحوار، قال تعالى: *"وجادلهم بالتي هي أحسن"*
فالحوار مع من لا يحترمك مضيعة للوقت واستنزاف للطاقة، بل قد يجرك إلى مهاترات أنت في غنى عنها.
لذلك، في عملك، في مجلسك، في وسائل التواصل، اختر من تحاوره بعناية. حاور من يحترمك، لأن الاحترام قبل الحوار.
*شاور من يحبك*
المشورة أمانة، والمستشار مؤتمن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
والناس في المشورة نوعان: محب ومصلحي. صاحب المصلحة يعطيك مشورة على مقاس مصلحته، يزين لك ما يخدمه ويصرفك عما يضره، حتى لو كان فيه هلاكك. أما المحب الصادق، فهو الذي يقول لك الحقيقة ولو كانت مرة، لأنه يحبك ويريد لك الخير.
شاور من يحبك بصدق.. من عاشرك وعرفك.. من فرح لفرحك وحزن لحزنك.. من لا يحسدك إذا نجحت ولا يشمت إذا تعثرت.
كم من قرار مصيري في زواج أو تجارة أو وظيفة اتخذناه بمشورة صاحب مصلحة فندمنا! وكم من نصيحة صادقة من أم أو أب أو أخ أو صديق صادق أنقذتنا من منزلق خطير!
في هذا الزمن الذي كثرت فيه المصالح وتقلبت فيه القلوب، أصبح المحب الصادق عملة نادرة. فإذا وجدته فتمسك به واستشره، فمشورته من القلب إلى القلب.
*جاور من يشبهك*
المجاورة ليست مجرد سكن في حي واحد، بل هي مجاورة روح وفكر وقيم. قالوا قديماً: "جاور السعيد تسعد".
من يشبهك في أخلاقه وقيمه ومبادئه هو الذي ترتاح معه. لا تحتاج أن تتصنع أمامه، ولا أن تبرر له كل تصرف. يشبهك في حبك للخير، في احترامك للناس، في طموحك للحياة.
أما من لا يشبهك، فمهما حاولت أن تتأقلم معه ستظل غريباً. مجالس الغيبة لا تشبه صاحب القلب النظيف. ومجالس الطموح لا تشبه المتكاسل. ومجالس الذكر لا تشبه اللاهي.
لذلك نرى الكثير يعاني في بيئة عمل أو صداقة لا تشبهه، فيعيش في صراع داخلي دائم. الحل بسيط: ابحث عن بيئتك، عن من يشبهك.
واخيراَ عزيزي القارئي...
فلنراجع قوائم علاقاتنا اليوم. من نحاور؟
ومن نشاور؟
ومن نجاور؟ فبقدر حسن اختيارنا لهؤلاء الثلاثة، تكون سعادتنا وراحة بالنا.
نسأل الله أن يرزقنا الصحبة الصالحة، والمجلس الصالح، والجار الصالح.
*همسة*
هذه القاعدة الثلاثية هي صمام أمان لصحتك النفسية،من يحترمك.. يحفظ قدرك ويرفع شأنك. ومن يحبك.. يخلص لك النصيحة ويخاف عليك،ومن يشبهك.. يؤنس وحدتك ويفهم صمتك قبل كلامك.

