الطلاق شرعه الإسلام عندما تستحيل الحياة بين الزوجين وجعله آخر الحلول بعد استنفاد وسائل الإصلاح لأنه لا ينهي علاقة بين رجل وامرأة فحسب بل قد يهدم أسرة كاملة ويترك آثاراً تمتد إلى الأبناء والوالدين والأقارب والمجتمع بأسره
وفي السنوات الأخيرة ارتفعت حالات الطلاق لأسباب كان يمكن تجاوز كثير منها بالحكمة والصبر والحوار والتغاضي عن الزلات وتقديم مصلحة الأسرة على الانتصار للنفس
ومن أبرز أسباب الطلاق أن ينظر أحد الزوجين إلى ما عند الآخرين فيقارن حياته بحياة الناس ويرى ما يملكونه من أموال أو مساكن أو سيارات أو سفر أو هدايا فيشعر بالنقص ويغفل عن نعم الله عليه فالمقارنات المستمرة تزرع السخط وتقتل الرضا وتفتح أبواب الخلاف داخل الأسرة
ومن الأسباب المؤلمة وجود المخببين الذين يتدخلون بين الزوجين وينقلون الكلام ويؤججون الخلافات ويزينون الطلاق ويزرعون الشك وسوء الظن وقد حذر النبي ﷺ من ذلك فقال ليس منا من خبب امرأة على زوجها
كما أن التفاخر وحب المظاهر والحرص على مجاراة الآخرين يجعل الحياة الزوجية سباقاً لا ينتهي فتكثر المطالب ويزداد الضغط المالي والنفسي وتغيب القناعة التي هي أساس السعادة
وقد تكون الزوجة سبباً في اتساع دائرة الخلاف إذا بالغت في كثرة المطالب دون مراعاة قدرة الزوج أو اعتادت محاسبته على كل صغيرة وكبيرة أو أكثرت من اللوم والعتاب أو جعلت تقلبات المزاج تؤثر في استقرار البيت فالزوج كما يحتاج إلى الاحترام والتقدير تحتاج الزوجة إلى الاحتواء والرحمة ولا تستقيم الحياة إذا أصبح كل طرف يبحث عن أخطاء الآخر
وفي المقابل قد يكون الزوج هو السبب الحقيقي في انهيار الأسرة إذا انحرف سلوكه أو أساء خلقه أو أدمن المخدرات أو المسكرات أو اعتاد السهر والسفر وإهمال بيته وأبنائه أو قصر في النفقة أو أساء معاملة زوجته فهذه التصرفات تهدم الثقة وتفقد الأسرة الأمان وتجعل استمرار الحياة الزوجية أمراً بالغ الصعوبة
ولا يقف أثر الطلاق عند الزوجين بل يمتد إلى أسرة الزوجة فيتألم والدها وتحزن والدتها ويتأثر إخوتها وأخواتها وقد تنشأ خلافات بين العائلتين وتنقطع بعض صلات الرحم ويعيش الجميع حالة من الحزن والقلق وكانوا يتمنون أن يروا ابنتهم مستقرة في بيتها
أما الأبناء فهم أكثر من يدفع الثمن إذ قد يفقدون الاستقرار النفسي ويتراجع مستواهم الدراسي ويعيشون صراعاً بين الأبوين وقد تبقى آثار الطلاق في نفوسهم سنوات طويلة
إن الزواج ميثاق غليظ يقوم على المودة والرحمة وليس على الكمال فلا يوجد زوج كامل ولا زوجة كاملة وإنما توجد قلوب تعرف قيمة العفو والاعتذار والتسامح وتدرك أن المحافظة على الأسرة أعظم من الانتصار في خلاف عابر
فلنجعل الحوار لغة بيوتنا ولنبتعد عن المقارنات والمخببين ولنحسن الظن ببعضنا ولنحرص على أن يكون الأبناء هم الرابح الأكبر من حياتنا الزوجية لا أول ضحاياها فاستقرار الأسرة هو استقرار للمجتمع كله وبصلاح البيوت تصلح الأجيال

