كنتُ أتأمل أصابع يدي وهي تعزف على أشعة نور القمر المتسللة عبر انفراجة نافذة غرفتي. لقد كانت مرعبةً حقًا؛ أشبه بلصوص يتسابقون منحنين لقطع منطقة مكشوفة في منتصف الشهر.
وتارةً أراها مشهدًا صاخبًا يتجاوز سطحية النظرة الأولى الممتلئة بالخوف، فتبدو كسكارى في ليل سمرٍ يتمايلون في نوبة ضحك، لا يروعهم من الدنيا سوى نفاد الكوب.
وفي أثناء تقلبات هذه التأملات، إذ بدا مشهدٌ مختلفٌ وغريب، كان مشهدًا عميقًا في داخلي، إذ بدوا وكأنهم جلسائي... فسألتُهم بنبرة يملؤها التعجب: "من أنتم؟ وكيف ترسمون في هذا التواجد الفريد؛ معالم روحي ونفسي؟".
لقد شعرتُ حينها بموجة من الدفء تسري بين أصابعي، ليبدأ الحوار الشجي.
إذ قالت الإبهام بوقار وثبات من موقعها المستقل: "أنا بداية الحكاية، أنا الإبهام.. إصبع الإرادة والوجود، ونافذتك إلى كوكب الزهرة! في عُقلتي العليا منطق تفكيرك، وفي عُقلتي الوسطى قوتك في الإقناع، أما الثالثة المنغمسة في كفّك فهي سر شغفك وحيويتك. إن انثنيتُ فأنا أمنحك المرونة والتكيف، وإن اشتددتُ فأنا سندك وعنادك المحمود أمام ظروف الحياة".
فقاطعتها السبابة وهي تحاول التطاول بلطف، رغم ما أصابها في زمانها، وقالت: "نعم، أنتِ الإرادة، ولكنني أنا البوصلة! أنا السبابة، نافذة على كوكب المشتري، محل الطموح والثقة بالنفس. انظري إلى أظفري البيضاوي الصافي؛ إنه يعكس نقاء الغاية والاستقامة، فأنا أصِلُ بين الفكر والواقع، أمنح الشجاعة والقيادة ونزاهة القرار، وحين أميل قليلاً نحو الوسطى، فأنا أنبّه سيدي للحاجة إلى الحكمة والتأطير الأخلاقي".
وهنا تدخلت الوسطى، أطول الأصابع، بصوت هادئ وعميق قائلة: "لا قيمة للإرادة ولا للطموح دون الميزان الذي أحمله! أنا الوسطى، نافذة إلى كوكب زحل ومستقر الضمير والمسؤولية. ففي عُقدي المفاصلية البارزة إشارة إلى عمق التفكير التحليلي، وأحمي الخطوات من الاندفاع، وأمنح الصبر والجلد لتحمل مشاق الحياة".
فابتسم البنصر وقال بنبرة دافئة يملؤها الحس الفني: "وأنا البنصر، قيثارة المشاعر وحسّ الجمال، المتصل بكوكب الشمس وأبولو! أنا الإصبع الذي يصل بين الروح والقلب".
حينها تحرك الخنصر المكلوم في طرف الكف، وقال بصوت ناعم وحكيم وذكي: "ولكن كيف للإبداع أن يكتمل من دوني؟ أنا الخنصر، نافذة على كوكب عطارد، أنا سرّ الفصاحة والذكاء الاجتماعي! إن ما مرّ بي لم يكن ليحطمني، بل علّمني أن التواصل الحقيقي لا يحتاج إلى الهيكل، بل إلى قلب صادق. إنني أمنح البديهة اللغوية، والقدرة على التفاوض والإقناع ودخول القلوب بسلاسة دون ارتباك".
تأملتُ حوارهم العجيب ثم سألتهم: "وماذا عن الأظافر؟".
فأجابت الإبهام والسبابة معًا: "انظر إلى قمتنا عند الأظفار وهلالها الأبيض؛ إنها أجهزة استشعار لطاقتك وحيويتك، فنقاؤها يعكس استقرارك الداخلي، وتغيرها يكشف عن التوتر والقلق".
فقالت الوسطى والبنصر والخنصر: "العُقلة العليا عند أطرافنا هي عالمك الذهني والروحي، والوسطى هي ميدان عملك وتنظيمك المادي، والسفلية هي رغبتك في الأمان والاستقرار. أما المفاصل والعُقد فهي نقاط تحول طاقتك؛ فبروزها وانحناؤها يجعلك شخصًا متأملاً تحليليًا لا يقبل الأمور بظاهرها".
وفي تلك اللحظة، تحرك الكف بأكمله عند المفصل الرئيس وقال: "وحين يرسو الجميع فوق تلال كفك، تندمج طاقات المشتري، وزحل، والشمس، وعطارد، والزهرة، لتكوّن خريطة حية لروحك. إن من ينظر إلى يدك لا يرى مجرد أصابع عركتها الحياة، بل يقرأ قصة إنسان صامد، وصدق مشاعر لا تتغير، وتوازنًا راقيًا بين العقل والروح".
تلاشى الصمت التدريجي، وضممتُ أصابعي بتناغم شديد لتتشكل منها قبضة واحدة واثقة ونابضة بالحياة، ثم فتحتها من جديد لنور الفجر المنسكب، وأنا أشعر أنني لا أحمل يدًا فقط، بل أحمل مرآة كاملة لروحي ونفسي وصمودي العظيم.

