بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين .
من أكثر المشاهد التي اعتدنا رؤيتها في شوارع المدن الكبرى، مثل الرياض وجدة وغيرها من المدن ذات الكثافة المرورية العالية، أن يقع حادث مروري بسيط، ثم تتوقف المركبات المتضررة في منتصف الطريق، وكأن الحادث وقع في المكان الذي يجب أن تبقى فيه السيارات حتى وصول «نجم».
قد تكون الأضرار مجرد خدش أو صدمة بسيطة لا تعيق المركبة عن الحركة، ومع ذلك يصر قائدا المركبتين على البقاء في موقع الحادث، وإغلاق مسار أو أكثر من الطريق، وانتظار وصول المختص لمباشرة الإجراءات.
والنتيجة؟!
حادث بسيط يتحول خلال دقائق إلى أزمة مرورية خانقة، تمتد آثارها إلى مئات وربما آلاف المركبات خلفه.
قد يكون بين هؤلاء من ينتظر الوصول إلى مقر عمله، أو طالبًا متجهًا إلى مدرسته، أو معلمًا مرتبطًا بموعد حصة، أو مريضًا في طريقه إلى المستشفى، أو شخصًا يقود مركبته للوصول إلى موعد لا يحتمل التأخير.
والأخطر من ذلك أن الازدحام الناتج عن إغلاق الطريق قد يؤخر مركبات الإسعاف والدفاع المدني والجهات الأمنية عن الوصول إلى من يحتاجها.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل يستحق الخوف من اختلاف نسبة الخطأ أن نغلق الطريق ونعرّض الآخرين للتأخير والخطر؟
المفارقة أن «نجم» نفسها توجّه قائدي المركبات بوضوح إلى عدم البقاء في موقع الحادث إذا كان بإمكانهم تحريك مركباتهم، بل تحثهم على الانتقال إلى مكان آمن وفتح الطريق، ثم استكمال إجراءات الحادث من خلال خدمة المعاينة عن بُعد.
وتصل رسائل التوعية إلى قائدي المركبات بعبارات واضحة:
«حرّك سيارتك إلى مكان آمن وافتح الطريق لتقليل المخاطر والازدحام، ثم أكمل إجراءات الحادث عبر خدمة المعاينة عن بُعد».
إذن، المشكلة ليست في غياب التوعية، وإنما في ثقافة الخوف من تحريك المركبة.
فبعض قائدي المركبات يعتقد أن تحريك السيارة من مكان الحادث قد يغيّر مسرح الحادث أو يؤثر في تحديد نسبة الخطأ، ولذلك يفضّل أن يبقى في منتصف الطريق، ولو أدى ذلك إلى تعطيل حركة السير.
وهذا اعتقاد يحتاج إلى تصحيح.
فإذا كانت المركبة قادرة على الحركة ولا يوجد ما يستدعي بقاءها في موقع التصادم، فإن الأولوية ينبغي أن تكون للسلامة وفتح الطريق، مع اتباع تعليمات الجهة المختصة وتوثيق الحادث بالطريقة المعتمدة.
نحن بحاجة إلى أن ندرك أن الطريق ليس ملكًا لقائدي المركبتين اللتين وقع بينهما الحادث.
هناك مئات الأشخاص خلفهما لهم حقوق أيضًا؛ لهم أعمال ومواعيد ومدارس ومستشفيات، ومن بينهم من قد يكون في حالة صحية طارئة.
وقد لا يشعر صاحب الحادث بالوقت الذي يضيعه على الآخرون، لأنه يرى نفسه صاحب الحق والمتضرر، بينما يرى الواقفون خلفه الأمر من زاوية مختلفة تمامًا: لماذا يجب أن يتعطل طريق كامل بسبب حادث يمكن تحريكه إلى جانب الطريق؟
إن احترام الطريق لا يعني فقط الالتزام بالسرعة والإشارات المرورية، بل يعني أيضًا عدم تعطيل الآخرين عندما يمكن تجنب ذلك.
ومن المهم كذلك ألا يتحول الخوف من المسؤولية إلى سلوك غير مسؤول؛ فالمطلوب ليس أن يتصرف قائد المركبة من تلقاء نفسه بطريقة قد تضر بحقوقه، وإنما أن يتبع التعليمات الرسمية، ويوثق الحادث، ويستفيد من الخدمات الإلكترونية والمعاينة عن بُعد المتاحة له.
أما أن نبقي الطريق مغلقًا لوقت طويل لمجرد انتظار مباشرة الحادث، في وقت يمكن فيه تحريك المركبة إلى جانب الطريق، فهذا تصرف يحتاج إلى مراجعة حقيقية من أفراد المجتمع.
الحادث قد يكون بسيطًا، لكن آثاره ليست بالضرورة بسيطة.
خدش في صدام قد يتسبب في تعطيل طريق كامل، وتأخير مئات المركبات، وربما تأخير سيارة إسعاف تحمل مريضًا لا يحتمل الانتظار.
لذلك، عندما يقع حادث مروري، علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نسأل عن نسبة الخطأ:
هل أستطيع أن أفتح الطريق دون أن أضر بحقي أو بحق الطرف الآخر؟
إذا كانت الإجابة نعم، فافعل.
فربما يكون تحريك مركبتك بضعة أمتار سببًا في وصول موظف إلى عمله في موعده، أو طالب إلى مدرسته، أو مريض إلى المستشفى، أو مسعف إلى شخص ينتظر النجدة.
افتح الطريق… فأنت لا تعرف من ينتظر خلفك، ولا تعرف كم قد تعني له تلك الدقائق .
بقلم الكاتب : عبدالله البقمي

