تخيل ذلك الوحش ذو العيون الخضراء الذي وصفه شكسبير؛ إنه يسكن في أعماقنا جميعا. يبدأ معنا منذ الصغر حين نخاف أن تُسرق منا نظرة الأم؛ فنرى كيف يشد لك الطفل ثوب أمه بقوة حين تبتسم لطفل غريب؛ رغبة منه في استعادة مكانته التي يراها ملكا له وحده. وحين نراقب تميز زميل مبدع بضيق واختناق؛ كأن نجاحه ينتقص من وجودنا. هذا الإحساس هو في الحقيقة جهاز إنذار عاطفي؛ يصرخ بداخلنا حين نشعر بخطر يهدد قيمة نعتز بها؛ سواء كانت عاطفية في قلوب من نحب أو مهنية في ساحات التنافس. وهو يختلف عن الرغبة في امتلاك ما لدى الآخرين؛ بل هو الخوف من فقدان ما نملكه نحن بالفعل. حتى الكائنات الأخرى تظهر ذلك الضيق حين ينصرف عنها الاهتمام؛ مما يؤكد أن هذا الإحساس غريزة طبيعية لحماية مكتسباتنا وضمان بقائنا.
لهذا الإحساس وجهان متناقضان؛ وجه يحمينا وآخر يهاجمنا. حين يكون الشعور متزنا؛ فإنه يعمل كحافز لصيانة مكانتنا الرفيعة. قد نلحظ هذا حين يبذل الموظف جهدا مضاعفا ليثبت جدارته حينما يبرز منافس جديد؛ أو في الصديق الذي يزيد من تواصله حينما يشعر بفتور رفاقه. فهو يزيد من يقظتنا ويضع حدودا واضحة لكرامتنا. وفي علاقاتنا الإنسانية؛ يمنح هذا الإحساس الطرف الآخر شعورا بأنه ثمين؛ ويوجه طاقته نحو تحسين الذات دون سلب إرادة الآخرين أو خنقهم.
لكن حين يتحول هذا الإحساس إلى طاقة تدميرية؛ فإنه ينهش في روح الاستقرار. كذلك الذي لا يستطيع الفرح بنجاح صديقه؛ بل يسعى لتقليل شأن إنجازه ليريح نفسه من عناء المقارنة.
يخبرنا علماء النفس أن هذا الهجوم ينبع أساسا من شعورنا بالنقص وعدم ثقتنا بقيمتنا المستقلة. فنرى في كل تميز لغيرنا تهديدا شخصيا لنا؛ ونظن أن الضوء إذا سلط على غيرنا فسنغرق نحن في الظلام. هذا الخوف يدفعنا لممارسة سلوكيات عنيفة تجعلنا نخجل من أنفسنا بعد انتهاء الموقف؛ كمحاولة عزل الآخرين عن محيطهم أو التقليل من قدراتهم لتعويض هشاشتنا الداخلية. فتتحول البيئة؛ سواء كانت أسرة أو فريق عمل؛ من مساحة للنمو إلى ميدان للصراع المرير الذي ينتهي غالبا بالاحتراق.
وفي عالمنا الرقمي؛ زاد الأمر اتساعا ليشمل كل تفاصيل حياتنا. فأصبحت صور الرحلات والنجاحات المهنية والمناسبات وقودا لمقارنات لا تنتهي. وقضاء ساعات في مراقبة ما ينشره الآخرون من لحظات مثالية يسبب لنا تآكل الرضا عن النفس وزيادة معدلات القلق.
الخيط الرفيع الذي يفصل بين البناء والهدم يكمن في وعينا وثقتنا بأنفسنا. العلاج يبدأ من الداخل؛ بأن ندرك أن لنا قيمة أصيلة لا يزيدها أو ينقصها تألق غيرنا. الشعور النبيل هو الذي يجعلنا نخاف على مكتسباتنا لا من نجاحات غيرنا؛ ويفتح باب التنافس الشريف بدلا من السيطرة. فإذا فهمنا محركات أنفسنا؛ فإننا سنعرف هل خوفنا مشروع أم هو نقص داخلي. عندها فقط سنحول هذه الطاقة من نار تحرق وتدمر إلى نور يشرق ويعمر… ويرشدنا نحو نضج إنساني ومهني سليم.
هذا هو المعنى الحقيقي للتعامل مع الغيرة.

