إن إضاعة الأمانة أمرٌ كونيٌ قدري حاصلٌ لامحالة لأنه نص حديث الذي لاينطق عن الهوى ﷺ ولن تقوم الساعة حتى يحدث ، لكن سيسبق ذلك ما أخبر عنه ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه أنه ﷺ قال:
((إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة, قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله, فانتظر السَّاعة))"أخرجه البخاري في الصحيح"
هذه هي الشرارة الأولى التي ستحرق بعدها ماأخضَرَّ وأينَع من بساتين الأمانة والصدق وطهارة النفس وسلامة الضمير ، فتحيل ذلك كله إلى حطام يأكل بعضه بعضاً.
إن لكل عمل أهله، ولكل ميدان فرسانه فإذا قام بالعمل من ليس له بأهل, فقد اقتربت الساعة.
لا شك أن مجرد حدوث علامة من علامات الساعة لايعني الاستسلام لها ولا الركون إليها ولا الذهول بها، بل إن من انتظار الساعة العمل الجاد الدؤب ومدافعة تلك العلامات بما أرشدنا الله تبارك وتعالى به وعلى لسان نبيه ﷺ.في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}
رغم أن ملك مصر لديه من الأقارب والمحسوبين والمقربين من كان يستطيع أن يكلفه بالقيام على"خزائن الأرض" لكنهم ليسو أهلا لذلك إلا أنه أتى بيوسف عليه السلام من السجن واستخلصه لنفسه قبل أن يكلمه ثم أعلن له ولمن حوله أنه "مكين أمين".
لم يكن ليوسف عليه السلام حينها عند الملك من الوجاهة ولاالقرابة ولا المحسوبية مايشفع له ليكون في نهاية المطاف عزيزُ مِصر .
غير أن واقعه وأهليته وماكان يتمتع به من صفات ذاتيه شهد بها أصدقاءه في السجن :"إنا نراك من المحسنين" ، "أيها الصدّيق" ثم شهد بها أشدُّ أعداءِه - امرأة العزيز -: "إنه لمن الصادقين" ثم أثبتها له ملك مصر : "مكين أمين"..
وحدها هذه المؤهلات كانت كفيله بترشيحه عليه السلام بالقيام بهذه المهمة الشاقة.
فما كان من ملك مصر إلا أن جعله على خزائن الأرض ثقةً به وحرصاً على مقدرات ملكه وأنه الأجدر بهذه المكانة ولم يكتفي بإثبات تلك الصفات ليوسف عليه السلام بل استفاد مما اثبته وفعّلها وجعلها رافداً له في سنينه العجاف..
لم يسند الملك هذه المهمة لأحد لم يكن أهلا لها..
إن من يُسنِدُ الأمر إلى غير أهله إنما يفعل ذلك لخوفه من ( أهله ) أن يتولوا الأمر فيكشفوا ماكان عليه من الفساد والرذيلة أو خوفاً وحسداً من أن يتولوا الأمر بعده فيقومون به خير قيام لكفاءتهم وأهليتهم.
ولما عَلِمَ من نفسه عليه السلام أنه "حفيظٌ عليم" وأن الوقت لايحتمل تجريب الناس قال بكل وضوح " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم".
عندما نحكم على الناس من خلال تجاربهم وعطاءهم وإمكاناتهم تتوحد معاييرنا ونجني ثمرة قراراتنا وننساق للحقائق الكائنة التي لايراهن عليها أحدٌ إلا ربِح..
أما حينما تغلبنا المحسوبيات على جدارة من هو أكفأ بتولي أمورنا وقضاء حاجاتنا فلن نتقدم شبراً واحداً للأمام ولن نصنع بذلك واقعاً جديراً بالإهتمام ولا واقعاً نرتضيه لذواتنا ومجتمعاتنا..
نحن ياسادة نجيد وبإتقان "للأسف" قتل الابداع في مهده وتحييد الإنجاز والتسلق على أكتاف المنجزين دون أن نقدم عملاً بناءً ينفع أمتنا وبلادنا.


1 comment
1 ping
أبوربيع
18/07/2023 at 9:59 م[3] Link to this comment
سلمت أناملك وأفدت وأجدت بارك الله فيك .