الحب شعور واضح الحضور ومبهم الملامح، شعور متعب وجميل وهادىء وجامح يصعب السيطرة عليه، إنه شعور بالانجذاب بين روحين يجعل كليهما يوجه كل طاقاته في سبيل الاقتراب من الآخر وربما لا يكتفيان بالقرب بل يسعيان إلى الاندماج والانصهار في بعضهما إن استطاعا، وقد يكون الحب من طرف واحد فنجد روحا مسلوبة التوجه نحو من تحب، تذوق لهيب الشوق وجحيم الالتياع والتعب والسهر والضنك وتتحمل أصناف العذل واللوم والعتاب والشفقة وألوان العذاب ومع ذلك تظل متمسكة بالحب منهمكة فيه غارقة في تفاصيله حتى الرمق الأخير.
الحب شعور عصي على التعريف، عصي على الترويض، عصي على الإدراك، عصي على القياس، فهو قوة في العاطفة وضعف في الإرادة، حين يشتعل تعجز كل الحجج عن إطفائه وإن كانت صائبة، فهو ثورة القلب على العقل في أغلب الأحيان، وثورة المجازفة على الحذر، والمغامرة على الاحتياط، والمجازفة على السلامة، والشطوح على المنطق
الحب شعور يجعلنا نحب الحياة ونتذوقها ونشعر بحلاوتها ومرها، به نشعر بنبض قلوبنا وبالدم المتدفق في عروقنا، وبه ندرك أهمية حواسنا فنظرة الحب مختلفة وصوت الحب مميز ونكهة الحب نادرة ولمسة الحب ساحرة،جميعها تسطر ما لا ينسى من ذكريات وما لا يمل من أمنيات.
الحب سلطة وسلطان، لا حرس له ولا أعوان، لكن أمره نافذ، وقراره صائب، وصوته مسموع، وجنونه مشروع، وفي كل تقلباته تقابله الجوارح بالطاعة والخضوع، فهو دكتاتور يسلطن نفسه ومن قاوم سلطته رماه بالويل والعذاب.
وعلى كل فإن الحب وكان وما يزال محل اهتمام وجدل لدى جميع البشر ، فهو من أهم الملامح البشرية اللامادية ومن أعظم المواضيع التي ظلت محل اهتمام المفكرين والفلاسفة والأدباء الحكماء وعلماء النفس ورجال الدين وغيرهم، وقد حاولوا جميعا تعريف الحب وخاضوا في أسمائه ومراحله وأعراضه، وقد عرف تعريفا فلسفيا عاما على "أنه كلمة غير مرتبطة بشيء حقيقي أو محسوس فلا يمكن إدراكه بالعقل أو شرحه بالمنطق"، وكذلك عرف تعريفا عاما في علم النفس على أنه " كل إحساس يشعر به الإنسان ويترك أثراً إيجابياً معيناً على أصحابه، ويمكنهم من البقاء على قيد الحياة بصورة أفضل من السابق" وهو تعريف يعتمد على أثر الحب على المحب وهو جانب جعل بعض الأطباء العرب قديما يرى أن الحب مرضا له أعراض وعلامات مثل بقية الأمراض ولا دواء للمحب إلا بالمحبوب وهو ما أشير إليه في شطر البيت الشعري المشهور "وداوني بالتي كانت هي الداء"
وقد كثرت تعاريف الحب واختلف الجميع في ايضاح حقيقته اختلافا يدل على عجزهم عن فهمه، وقد أشار بعضهم إلى هذا العجز معللا أسبابه منهم على سبيل المثال "سمنون المحب" المتوفي سنة 298هـ حيث قال: "لا يعبر عن الشيء إلا بما هو أرق منه، ولا شيء أرق من المحبة، فما يعبر عنها" .. وما أجمل إيضاح الإمام القشيري لهذا حيث قال "لا توصف المحبة بوصف ولا تحدد بحد أوضح ولا أقرب إلى الفهم من المحبة"، ونتيجة لهذا العجز عن إدراك ماهية الحب، إلا أن الجميع يتفق على سلطته العليا على المحبين فهم رهن حكمه وتحكمه ومجبرين على الخصوع لمقتضياته، وربما سلطته العليا هي من جعل البعض يعده ضروريا ومكملا لذات الإنسان فقد عرفه الإمام القرطبي على أنه "ميل النفس لتكميل ذاتها بما ينقصها وتستقر بوجوده".

