ما ندّعيه سنُختبر فيه. ربما هي واحدة من أكثر الحقائق قسوةً وتعريةً لنا؛ فهي تكشفنا لأنفسنا قبل أن تكشفنا للآخرين.
لا تختبرنا الأيام حيث ندرك ضعفنا، بل تأخذنا على حين غرة إلى الموضع الذي تحدثنا عنه بثقة ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾!
في حين أن الابتلاء لا يأتي ليهدم ما بنيناه، بل ليكشف لنا: هل البناء متين حقًا، أم أننا ركنّا إلى صورةٍ مثاليةٍ رسمناها لأنفسنا؟
وحين تطول بنا العافية، ونألف استغناءنا، ونظن أننا نمسك بزمام أمورنا، نقع في وهم القدرة، كما وصف ذلك لنا الله: ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.
وليس بالضرورة أن يكون السقوط عقوبة، بل هو كشف رحيم يعيدنا إلى حجمنا الإنساني، وإلى حقيقة ضعفنا الذي نسيناه ولم نعد نراه.
وهنا يتجلى الفارق العميق بين الدعاء والادعاء: فالادعاء هو أن نقف أمام الحياة بما نعتقد أننا نملكه، أما الدعاء فهو أن نقف أمام الله بما نوقن أننا لا نملك شيئاً، مصداقاً لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾. وحين يأمرنا الله بأن نستجيب نحن بعدما ندعوا: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، فهو إشارة إلى أن الدعاء يفتح بابًا فينا قبل أن يفتح بابًا لنا؛ وهو باب الافتقار، والتخلي عن الادعاء والاستغناء.
من هنا، يتضح لنا أن ثباتنا اليوم ليس إنجازًا ذاتيًا يضمن لنا الغد.
وأن أشد فخاخ هذا الوهم خفاءً هو انزلاقنا إلى السخرية من عثرات الآخرين أو الإمعان في انتقادهم؛ فالانتقاد في جوهره ادعاءٌ مبطّن بأننا محصنون مما وقعوا فيه، وإشارة خفية بأننا أفضل منهم، ونملك من القوة والوعي ما يعصمنا من الزلل. هذا التعالي الخفي هو الوجه الآخر للادعاء: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾. فكل سخريةٍ وانتقاد هي إدعاء مبطن، وكل ادعاء هو مشروع اختبارٍ قادم، بينما إدراكنا لضعفنا يجعلنا نكتفي بالدعاء لمن سقطوا ولأنفسنا؛ مقرّين بأن العافية والثبات هبة وعاريّة، وليست ملكية ثابتة نعتمد عليها أو نتباها بها.
وإذا كان كل ادعاءٍ يقودنا حتمًا إلى اختبارٍ يكشف حقيقتنا، فهل نملك قوة الوقوف أمام الله بضعفنا وافتقارنا طوعًا، أم سنظل نختبئ خلف وهم القوة حتى تُسقطه الأيام؟

