أعادت السعودية عبر مبادرتها الأخيرة “التحالف البحري الدفاعي” صياغة مفهوم الأمن البحري لحماية البحر الأحمر وباب المندب، وخليج عدن، وخلصت دراسة بحثية سعودية إلى أن التحالف متعدد الجنسيات الذي تقوده الرياض يعد خطوة استراتيجية نحو
تعزيز الدور الإقليمي في حماية الملاحة البحرية، في الوقت الذي أصبحت التهديدات أكثر قدرة على التأثير في انتظام التجارة وإمدادات الطاقة.
وتشير الدراسة ذاتها التي أعدها الباحث السعودي اللواء البحري الركن، عبدالله الزايدي، المستشار الأول للدراسات الدفاعية والأمنية في مركز الخليج للأبحاث، إلى أن أهمية التحالف البحري الدفاعي السعودي الذي يمثل مبادرة دفاعية دولية مفتوحة تتسع لجميع الدول التي تتشارك أهدافه ومبادئه تتجسد في إطار تحويل المصالح المشتركة إلى قدرة دفاعية إقليمية أكثر تكاملاً واستدامة، في حين تمنح قيادةً المملكة للتحالف بعداً يتجاوز إدارة أنشطته، بما يعكس موقعها الجيوسياسي ودورها في تشكيل بيئة الأمن البحري.
في سياق متصل، توضح الورقة البحثية التي أعدها اللواء البحري الركن (م) عبدالله بن جابر الزايدي، مستشار أول للدراسات الدفاعية والأمنية في مركز الخليج للأبحاث، أن تصاعد التهديدات التي استهدفت الملاحة الدولية خلال السنوات الأخيرة عزز الحاجة إلى إنشاء “تحالف بحري دفاعي” متعدد الجنسيات، وهو الأمر الذي يتقاطع مع المبادرة الدولية بقيادة السعودية، بهدف تعزيز أمن الملاحة وحماية المصالح الاقتصادية الإقليمية والدولية.
ووفقاً للزايدي، انخفض متوسط تدفقات النفط عبر باب المندب من نحو 8.7 ملايين برميل يومياً في عام 2023 إلى قرابة 4.4 ملايين برميل يومياً في 2025، كما تراجع عدد السفن العابرة لقناة السويس من 26,434 سفينة إلى 12,758 سفينة، وهبط حجم البضائع المنقولة من 1.3 مليار طن إلى نحو 464.4 مليون طن.
الأرقام تكشف حجم التحدي
ولا تنظر الورقة البحثية إلى هذه المؤشرات باعتبارها مجرد أرقام، بل دليلاً على أن التهديدات البحرية باتت قادرة على إرباك الاقتصاد العالمي دون الحاجة إلى إغلاق الممرات المائية، إذ إن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتحويل مسارات السفن إلى طرق أطول، أدى إلى زيادة تكلفة التجارة العالمية، وعزز أهمية حجم الترابط بين أمن البحر الأحمر، واستقرار أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد.
من الاستجابة للأزمات إلى العمل المؤسسي
وانطلاقاً من هذه المتغيرات، يطرح الباحث رؤيته تجاه إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، للانتقال من الاستجابة المؤقتة للأزمات إلى بناء إطار مؤسسي دائم للتعاون، يربط بين تبادل المعلومات البحرية، والتخطيط المشترك، والتدريبات، وبناء القدرات، مع إمكانية تنفيذ عمليات بحرية مشتركة عند الضرورة.
المبادرة السعودية
واستضافت المملكة الاجتماع التأسيسي للمبادرة لإنشاء التحالف البحري الدفاعي بمشاركة ممثلين عن 43 دولة، فيما أصدرت 14 دولة بياناً مشتركاً أكدت دعمها مشروع التحالف، ورحبت بالتوافق الذي تحقق بشأن ترتيباته التأسيسية، كما أعلنت دول أخرى دعمها للمبادرة، و استكمال إجراءاتها الوطنية اللازمة للانضمام إلى البيان المشترك.
في سياق متصل، يعكس وفقاً للباحث الزايدي، المستشار الأول للدراسات الدفاعية والأمنية في مركز الخليج للأبحاث، التأييد الدولي للتحالف البحري الدفاعي الذي أعلنت السعودية عنه اتساع الإدراك بأن حماية البحر الأحمر لم تعد مسؤولية الدول المطلة عليه وحدها، بل قضية ترتبط مباشرة باستقرار التجارة العالمية وأمن الطاقة.
الفجوة ليست في عدد القوات
ووضعت الدراسة تساؤلات عدة، فيما أكدت أن عدم مواجهة عمليات القرصنة في البحر الأحمر، وتهديدات حرية الملاحة، لا يعود إلى سبب غياب القوات البحرية، بل في غياب المظلة التي تنسق بين أدوارها، إذ تتولى قوات ومهام بحرية متعددة، من بينها قوة الواجب المشتركة 153 وقوة الواجب المشتركة 151، مهام حماية الملاحة في مناطق مختلفة من البحر الأحمر وخليج عدن، وهنا يأتي دور التحالف لاستكمال التكامل وتوحيد الجهود.
تهديدات تتجاوز المفهوم التقليدي
وتشير الدراسة إلى أن البيئة الأمنية في البحر الأحمر شهدت تحولاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد التهديدات تقتصر على القرصنة أو التهريب، بل امتدت إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة، وهي وسائل منخفضة الكلفة وعالية التأثير، فرضت تحديات جديدة على منظومات الأمن البحري التقليدية.
ويرى الزايدي أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب تكاملاً بين القدرات البحرية والجوية والاستخباراتية، إلى جانب تطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر، بما يتيح سرعة الاستجابة ويعزز القدرة على حماية الممرات البحرية الحيوية.
الصين ومصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر
وتتناول الدراسة موقع الصين في معادلة أمن البحر الأحمر، مشيرة إلى أن غيابها عن الاجتماع التأسيسي للمبادرة لا يعكس بالضرورة موقفاً معارضاً، في ظل ارتباط مصالحها الاستراتيجية بأمن هذا الممر الحيوي، واعتماد جزء كبير من تجارتها وإمداداتها من الطاقة على الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن وجودها العسكري في جيبوتي وخبرتها في مهام حماية الملاحة بخليج عدن. وترى الدراسة أن تعزيز قنوات التنسيق وتبادل المعلومات مع بكين، أو إشراكها مستقبلاً بصيغ مرنة مثل صفة المراقب، من شأنه أن يدعم فاعلية التحالف، مع الحفاظ على قيادته الإقليمية وطابعه الدفاعي واستقلالية قراره.
أمن بحري أكثر تكاملاً
وتخلص الورقة البحثية إلى أن مستقبل أمن البحر الأحمر لن تحدده كثافة القطع البحرية أو تعدد المبادرات، بل قدرة الدول على بناء إطار مؤسسي دائم للتنسيق والعمل المشترك، وبذلك لا يقتصر “التحالف البحري الدفاعي” على حماية ممر بحري استراتيجي، بل يطرح نموذجاً جديداً للتعاون الإقليمي والدولي في مواجهة التهديدات التي تمس الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
