لم يعد حضور الجهات في الفعاليات خيارًا تكميليًا يمكن تأجيله، بل أصبح أحد مؤشرات نضجها الاتصالي وقدرتها على الوصول إلى جمهورها خارج القنوات التقليدية. فبينما تنشغل بعض الجهات بقياس التكلفة المباشرة للمشاركة، تغفل في أحيان كثيرة القيمة الأعمق التي تتحقق من هذا الحضور.
ومع ذلك، يتردد في الآونة الأخيرة رأي يعتبر أن المشاركة في الفعاليات، وما يصاحبها من تكاليف تصميم وبناء الأجنحة، ما هي إلا رفاهية يمكن الاستغناء عنها. وهذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية من زاوية تقليل التكاليف، يغفل البعد الأعمق لقيمة هذه المشاركات.
الحضور في الفعاليات ليس إنفاقًا، بل استثمار متعدد الأبعاد. فعلى المستوى الاتصالي، تتيح الفعاليات للجهة أن تخاطب جمهورها وجهًا لوجه، في بيئة تفاعلية ترفع من مستوى الفهم والثقة. وعلى عكس القنوات التقليدية، فإن التجربة المباشرة داخل الجناح تخلق انطباعًا طويل الأمد يصعب تحقيقه عبر الوسائط الأخرى.
أما على المستوى التسويقي، فإن التواجد ضمن محفل محلي أو دولي يعزز من تموضعها بين الجهات والمنظومات.، ويضعها ضمن سياق تنافسي أو تكاملي مع جهات أخرى، ما يسهم في إبراز خدماتها وإمكاناتها بشكل حي وملموس. كما أن هذه المشاركات تفتح أبوابًا للشراكات، وتوسّع من شبكة العلاقات العملية.
ولا يقل الجانب المعنوي أهمية، إذ تعكس المشاركة في الفعاليات هوية الجهة ومدى انفتاحها واحترافيتها. فحتى الجهات الحكومية، رغم كونها مقدمة للخدمات فإنها تحتاج إلى تعزيز صورتها الذهنية، وترسيخ حضورها ككيانات فاعلة قريبة من المستفيد، لا مجرد مقدّم خدمة تقليدي.
ولعل من أبرز الأمثلة الوطنية، مشاركة إكسبو 2020 دبي، حيث قدّم الجناح السعودي تجربة متكاملة عكست التحول الذي تعيشه المملكة، ولم يكن الهدف مجرد عرض مشاريع، بل صناعة انطباع عالمي عن الطموح والقدرات الوطنية. وقد ساهم هذا الحضور في جذب ملايين الزوار، ورفع مستوى الوعي الدولي بالمبادرات السعودية، وفتح آفاق جديدة للتعاون والاستثمار، وهو أثر يتجاوز بكثير مفهوم “تكلفة المشاركة”.
ومن الزوايا التي يُغفلها البعض، أن المشاركة في الفعاليات ليست مكسبًا خارجيًا فقط، بل استثمار داخلي في رأس المال البشري. فوجود منسوبي الجهة في الميدان، واحتكاكهم المباشر بالجمهور، يمنحهم خبرة لا يمكن اكتسابها خلف المكاتب. يطوّرون مهارات التواصل، ويستوعبون احتياجات المستفيدين الحقيقية، كما ينقلون هذه الملاحظات للإدارة، مما يسهم في تصحيح مسار بعض المبادرات أو تحسين الخدمات. إن الاستماع المباشر للزوار والمهتمين يمثل أداة نوعية لفهم الواقع، لا تعوضها التقارير المكتبية أو التحليلات النظرية.
كما أن التطور التقني أتاح للجهات تعظيم الاستفادة من هذه المشاركات، فلم تعد مجرد حضور بصري، بل منصة بيانات حية. حيث يمكن قياس عدد زوار الجناح، وتحليل سلوكهم، وإجراء استبيانات فورية، وجمع آراء دقيقة في لحظتها. وهذا يحوّل الجناح إلى أداة بحث ميداني، تُمكّن الجهة من دراسة جمهورها، وتقييم خدماتها، وبناء قراراتها على معطيات واقعية.
ومن المهم هنا أن تتحول نظرة صناع القرار إلى الفعاليات من كونها بندًا تشغيليًا إلى أداة استراتيجية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
• ربط المشاركة بأهداف واضحة قابلة للقياس، سواء على مستوى الوعي أو بناء العلاقات أو دعم السمعة.
• تصميم تجربة جناح تفاعلية تعبّر عن هوية الجهة بدل الاكتفاء بالعرض التقليدي.
• استثمار الحضور إعلاميًا ورقميًا قبل وأثناء وبعد الفعالية لتعظيم الأثر.
• اختيار الفعاليات التي تتقاطع فعليًا مع جمهور الجهة واهتماماتها، محليًا ودوليًا.
• تمكين وتدريب الفرق المشاركة لتكون قادرة على تمثيل الجهة بوعي اتصالي ومهني، والاستفادة من تواجدهم كحلقة وصل حقيقية لنقل صوت الجمهور.
إن النظر إلى الأجنحة كتكلفة معزولة هو تبسيط ومحاولة "كبسلة" او تقليل قيمة المشاركة، بينما الأصح هو تقييمها ضمن منظومة متكاملة من الأثر الاتصالي والتسويقي. فالجناح ليس مجرد مساحة، بل تجربة، ورسالة، ونقطة تماس حقيقية مع الجمهور.
في النهاية، السؤال ليس: كم أنفقنا على المشاركة؟
بل: ماذا حققنا من حضور، وتأثير، وعلاقات، وما ذا نتج بعد ذلك من قيمة للهوية البصرية؟
فالجهات التي تدرك هذا البعد، لا ترى في الفعاليات رفاهية، بل تراها استثمارًا في الوعي، وخطوة نحو بناء علاقة مستدامة مع جمهورها.
فواز بن عواد العنزي
مستشار في التسويق والاتصال المؤسسي

