٠ممر شرفي متبادل بين النصر والتحكيم المحلي٠
لم تكن أزمة النصر في يومٍ من الأيام مرتبطة فقط بالصافرة المحلية، بقدر ما كانت مرتبطة بعقليةٍ سيطرت لسنوات طويلة على المشهد النصراوي، وأقنعت الجماهير بأن كل تعثر سببه الحكم المحلي، وأن البطولات تُسلب بسبب أخطاء التحكيم، لا بسبب القصور الإداري أو الفني أو غياب الاستقرار.
هذا الفكر كرّس حالة من الشك الدائم، وأوجد بيئة مشحونة تجاه الحكم السعودي، حتى أصبح أي قرار تحكيمي ضد النصر يُفسَّر على أنه امتداد لـ«مؤامرة» مزمنة. ومع مرور الوقت، لم يخسر النصر البطولات فقط، بل خسر أيضاً القدرة على تشخيص مشكلاته الحقيقية.
وفي المقابل، دفع الحكم المحلي الثمن كذلك.
فمع الحملات المستمرة والتشكيك المتكرر، اهتزت ثقة الشارع الرياضي بالحكم السعودي، وتراجع حضوره وهيبته، وأصبحت أغلب الأندية الكبيرة تفضّل الحكام الأجانب، بينما دخل الحكم المحلي دائرة ضغط أثرت بشكل مباشر على مستواه وثقته بنفسه.
النصر كان يعيش أزمة صنعها بنفسه؛ إذ تم توجيه التركيز نحو التحكيم، بينما كانت الأخطاء الإدارية والفنية تتكرر دون معالجة حقيقية. ولذلك استمرت سنوات الابتعاد عن البطولات، لأن المشكلة لم تكن في الصافرة بقدر ما كانت في طريقة التفكير وإدارة النادي.
لكن التحول الحقيقي بدأ عندما غيّرت إدارة النصر نهجها، وتعاملت مع العمل الإداري بعقلية أكثر احترافية، وأدركت أن النجاح يبدأ من الداخل، لا من البحث عن شماعات خارجية.
عندها فقط، ظهر النصر بصورة مختلفة، أكثر استقراراً وثقة، وبدأ الفريق يقترب من البطولات من جديد، بالتزامن مع حضور أكبر للحكم المحلي في مباريات الفريق.
المفارقة اللافتة أن النصر، عندما تخلّى عن عقلية المؤامرة، قدّم واحداً من أفضل مواسمه تحت إدارة الصافرة المحلية، وفي الوقت ذاته ظهر الحكم السعودي بصورة أكثر هدوءاً وثباتاً في مباريات النصر. وكأن الطرفين قدّما لبعضهما “ممرًا شرفيًا” متبادلاً؛ النصر أعاد ثقته بالحكم المحلي، والحكم المحلي استعاد جزءاً من حضوره وثقته بنفسه.
الخلاصة الواضحة من المشهد كله أن الأندية التي تبحث عن النجاح الحقيقي لا تبني مشاريعها على الأعذار، بل على العمل والتطوير والاعتراف بالأخطاء.
وعندما تتخلى عن عقلية المؤامرة، تصبح أقرب إلى البطولات، وأكثر قدرة على صناعة النجاحات.

