البعض يظن أن الدنيا كلها فرص وقد يكون ذلك فيه من الحقيقة شيء كبير، ويعتقد الكثير أن مثل تلك الفرص هي متاحة له وحده، لم ينتبه للبشر حوله، ولم يلامس عقله حينها أن قسمة الأرزاق وخيرتها من عدمها هي من الله وحده عز وجل مهما بذلت الأسباب، وفهمت بحكمة وذكاء كيفية التعامل مع الفرص.
عزيزي أن الفرص عبارة عن سهم بيد الرزاق الحكيم الذي يؤتي فضله من يشاء ويحاسبه على ما أتاه فإذا أصابتنا أسهم الأرزاق فهي من حقنا ونصيبنا، وإذا ذهب الرزق عنا فهو مكتوب لغيرنا.
إذاً كل الدنيا مليئة بالفرص لكن لا نعتقد أن كلها لنا، فقد لا يكون لنا منها نصيب ولاتنغبن، لكن بذل الأسباب والسعي ضرورة بشرية، واليقين بأن ما كتب لنا لن يذهب لغيرنا.
فتغيّر الأحوال من الأفضل إلى الأسوأ شيء طبيعي، كذلك رأينا أحداثًا كثيرة في حياتنا وحياة الناس والمجتمعات تتبدّل وتتغيّر، ولا شيء يبقى على حاله، فدوام الحال من المحال، فكل هذا الكون سيتبدّل ولا يبقى إلا وجه الله،الكل من على هذه الأرض يلاحظ الدنيا في تغير مستمر، فهي لا تبقى على حال واحد، بل تتبدل أحوالها وتتغير ظروفها بمرور الأيام فلا يبقى شيء على حاله.
سبحان الله في حكمته لا تمضي الحياة على وتيرة واحدة، ولا تكون على منوال واحد وعلى منصب واحد، فالتقلّب والتغيُّر من سنن الحياة ونحن لسنا مخلدين في هذه الحياة.
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، عزيزي القارئي إعلم أن يومك لك، ويوم غدٍ لغيرك، وأن الإنسان ليس بيده التمسك والحفاظ على منصبه أو مكانته مثلاً التي كان عليها إلا أن يشاء الله له ان يستمر، وإن قدر له الاستمرار في مكانه، فيكون بقاؤه على مكانته ليس لسواد عينيه كما يقولون ، وإنما لتحقيق مصالح لغيره يُسخرها الله على يديه ويؤجر على إخلاصه في عمله وماقدمه، ولكي لاتنصدم بالتغيير فالفترة الزمنية التي خوَّلك الله فيها، ثم تأتي الفترة الزمنيَّة لغيرك فهنا تؤمن بأن يوم لك ويوم عليك وهذا حالنا جميعاً فسبحان المغير الذي لايتغير، عزيزي إنها سُنَّة الله في التغيير، وسنَّة الله في تحقيق مصالح العباد الذي هو يعلمها.
نعم كلمة التغيير يجب أن نفهمها ونعي معناها جيداً مهما تقلد منصباً أو أصبحت في موقع مهم أنك ستتركه في يوم ما، وبقناعة تامة بأن بقاء الحال من المحال، والمناصب ليست ملكاً لأحد فقد تتغير فجأة لحكمة يريدها الله.
وأخيراً : دوام الحال من المحال تحمل في طياتها حكمة عميقة بشأن التغيرات المستمرة التي تطرأ على حياة الإنسان، تعني هذه المقولة ببساطة أن الاستمرارية في الوضع ذاته، سواء كان هذا الوضع جيدًا أو سيئًا، أمر مستحيل، فكل شيء في الحياة، مهما كان ثابتًا أو مطمئنًا في لحظة ما، قابل للتغيير مع مرور الوقت وبالتالي، يتوجب على الإنسان أن يكون مستعدًا لهذا التغير الدائم وأن يتأقلم معه بشكل إيجابي ولايتأثر لأن هذه سنة الحياة.
*همسة*
أيا من تشتكي من سوءِ حالِ دوام الحال ِ قِيلَ مِن المُحالِ
هي َ الأقـــدارُ ماضيــةٌ علينا
فسَـــلِّمْ للإلهِ بلا جـِدالِ
وثِقْ بالله واعلمْ أن تدبيــــره ُ ما جــاء إلا بالكمـــالِ
لخـــيرٍ قد يُؤَجــِّلُ ما تــراهُ تأخَّــــرَ من عــطاياهُ الجـــِزالِ
فلا تَعْجَـــلْ فرزقُ اللهِِ آتٍ ستستوفيه ِ من غير اضمحالِ

