تمثل الاستراتيجية الوطنية للتخصيص أحد أهم مسارات التحول المؤسسي في المملكة، حيث تعكس تطورًا نوعيًا في نموذج تقديم الخدمات العامة، يقوم على رفع كفاءة التشغيل، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الاستدامة، ضمن إطار تكاملي تتولى فيه الدولة أدوارها التنظيمية والرقابية، بينما يُسند التشغيل إلى نماذج شراكة أكثر كفاءة ومرونة.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب الاستثمارية أو التعاقدية، بل يمتد إلى جوهر منظومة التشغيل ذاتها، وعلى رأسها رأس المال البشري. فنجاح نماذج التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمدى جاهزية الكفاءات الوطنية لإدارة وتشغيل الأصول والخدمات وفق معايير دقيقة للأداء والجودة والامتثال وتجربة المستفيد.
من التدريب على مهنة إلى التدريب على نظام تشغيل
في عقود التخصيص والشراكات، لا تُقاس القيمة بالبناء أو التسليم وحده، بل بالالتزام بمستويات الخدمة، وإدارة المخاطر، والتحسين المستمر، وجودة تجربة المستفيد. ونتيجة لذلك، يصبح التعليم والتدريب المهني مطالبًا بالانتقال من التركيز على تأهيل مهارة فنية محددة إلى بناء كفاءات قادرة على العمل ضمن منظومات تشغيل متكاملة.
وتتكون هذه المنظومات من أربع طبقات رئيسية:
تشغيل الأصول والخدمات وصيانتها، والحوكمة والامتثال التعاقدي، وقياس الأداء وتجربة المستفيد، إضافة إلى التشغيل الرقمي القائم على البيانات وأنظمة إدارة الأصول والصيانة. ويُعد التكامل بين هذه الطبقات شرطًا أساسيًا لضمان استدامة التشغيل وجودة الخدمة.
وتكمن النقطة الحاسمة في أن أي منظومة تدريب تقتصر على تخريج فنيين يمتلكون مهارة تقنية دون فهم سياق العقد، ومؤشرات الأداء، ومتطلبات الامتثال، وهيكل التكلفة، ستنتج كفاءات محدودة القابلية للتوظيف أو التمويل ضمن اقتصاد الشراكات طويلة الأجل.
انعكاسات التحول على تصميم منظومة TVET
يفرض هذا التحول إعادة نظر في تصميم منظومة التعليم والتدريب المهني على عدة مستويات.
أولها إعادة تعريف نواتج التعلم بحيث ترتبط مباشرة بأداء قابل للتحقق والقياس، مثل زمن الاستجابة للأعطال، والالتزام بمعايير السلامة، وجودة الامتثال التعاقدي، وتقليل الهدر، ورفع رضا المستفيد.
وثانيها تعزيز نموذج الاعتمادات المهنية المتكدسة، التي تقوم على شهادات قصيرة ومتسلسلة تُبنى تدريجيًا، وتُعد أكثر ملاءمة لديناميكية القطاعات التشغيلية مثل البلديات والخدمات، والنقل واللوجستيات، مقارنة بالبرامج الجامدة طويلة الأجل.
أما ثالثها فيتمثل في الانتقال من الحوكمة بالساعات إلى الحوكمة بالنتائج. ففي سياق التخصيص، لم يعد عدد ساعات التدريب مؤشرًا كافيًا، بل أصبح الأثر الفعلي للتدريب على مؤشرات الأداء وجودة الخدمة هو المعيار الحاسم. ويستدعي ذلك تطوير نماذج لقياس أثر التدريب تربط بين البرنامج التدريبي، وأداء العامل، ومؤشرات التشغيل، ومستوى رضا المستفيد.
مهن تشغيلية جديدة في اقتصاد التخصيص
كما يسهم هذا التحول في بروز طلب متزايد على مهن تشغيلية مؤسسية جديدة، تجمع بين المهارة الفنية وفهم الحوكمة والأداء، مثل مشرفي الامتثال التشغيلي لعقود الشراكة، ومحللي مؤشرات الخدمة وتجربة المستفيد، ومنسقي إدارة الأصول والصيانة الرقمية، ومراقبي الجودة التعاقدية. وهي مهن تتطلب مسارات تدريبية مرنة ومتصلة مباشرة بسياق التشغيل الفعلي.
خلاصة وتوجه مستقبلي
إن الاستراتيجية الوطنية للتخصيص لا تعيد تشكيل سوق الاستثمار فحسب، بل تعيد تعريف معنى الجاهزية المهنية. وستظهر فجوة تنافسية واضحة بين منظومات التدريب التي تركز على تأهيل مهارات فردية، وتلك التي تبني قدرات تشغيلية مؤسسية مرتبطة بالعقد والمؤشر والامتثال.
وتبقى منظومة التعليم والتدريب المهني ركيزة أساسية في دعم هذا التحول، وتعظيم أثره على جودة الخدمات واستدامتها، من خلال بناء رأس مال بشري قادر على إدارة التشغيل بكفاءة، وحماية الاستثمار، والمساهمة في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية على المدى الطويل.

