*من يحب لا يكره*
قبل أن نستسلم لأي شعور أو ننشده في حياتنا، لا بُدّ أولاً من تعريفه بوضوح ولا نكتفي بمجرد تسميته…
إن هذا التعريف يُشكّل الخطوة الأولى نحو إدراك مدى تأثيره علينا وتمكّننا من التعامل معه بوعي ومسؤولية. وبدون هذا الوعي، قد تهيمن علينا اندفاعاتنا وتجرّنا إلى مساحات لا نريدها ومواقف قد نندم عليها لاحقًا.
وعندما نتحدث عن “الحب” بعد هذه الاستهلالة، نعرّفه على أنه مركبًا من عنصرين أساسيين: (الانتماء + تمني الخير)
وبناء على ما اتفقنا عليه في الاستهلال علينا ان نعرف الانتماء…
فالانتماء هو الشعور بالارتباط والنمو المتبادل بين طرفين، سواء كانا شخصين أو شخصًا وشيئًا ماديًّا. هذا الارتباط المبنيّ على تبادل العطاء والنمو يجعل كل طرف يدعم الآخر، ويزيد من قدرتهما على التطوّر معًا.
وأمّا تمني الخير فيمثل الرغبة الصافية في أن يعيش الطرف الآخر في سلام وسعادة ورفاه، دون انتظار مقابل أو مصلحة شخصية، بل بدافع نقيّ ينبع من صفاء القلب.
فبفهمنا للحب على هذا النحو، نكتشف أن موارده لا تنحصر في علاقاتنا الإنسانية فقط، بل تتسع لتشمل كل المخلوقات والأشياء والآفاق. فهو ليس محصورًا في علاقة زواج أو صداقة، بل يمتدّ إلى حب المعرفة والاكتشاف، وحب الطبيعة بجمالها، وحب الفن والإبداع، بل حتى حب الذات باعتباره أساسًا لمنح الآخرين أفضل ما لدينا، ومن ثمَّ استقبال افضل مالديهم…
وعندما نستطيع أن نفرق بوضوح بين العاطفة العابرة –وهي تلك الطاقة المؤقتة المدفوعة بالانفعالات– وبين الحب العميق القائم على الانتماء وتمني الخير، نصل إلى مستوى من السلام الداخلي الذي لا يهزه تقلب مزاج أو موقف طارئ.
هذا السلام الداخلي يصنع في شخصيتنا المرونة في التعامل مع من يختلف معنا بل حتى مع الخصوم. إذ أننا سننظر إليهم باعتبارهم فرصة للنمو المتبادل، بدلاً من أن نرى في الاختلاف تهديدًا، وسنجد أننا في الحوار أو الخلاف، لا نسعى فقط إلى إثبات الرأي، بل إلى فهم الآخر ومحاولة بناء جسر من التواصل الهادف، حينها ستكون كل تعاملاتنا ممتلئة بروح المحبة مع الحكمة، فيُقبل الرأي المخالف ويُقدَّر، حتى لو بقيت وجهات النظر متباعدة.
كما أن من يتبنّى هذا الفهم يجذب إليه “أقدارًا مليئة بالحب”، لأن تردّدنا ومخاوفنا تحول أحيانًا دون استقبال الخير. أما من ينبض قلبه بسلام واطمئنان، فلا يقاومه الكون، بل يُفتح أمامه باب العطاء وتصدح له أصداء الفرص الجميلة. ومع ازدياد هذا الشعور الرحيب، تقلّ الحاجة الملحّة للعاطفة المصحوبة بالتوتر أو القلق، فيسود في النفس اتزان وتوازن سيعيشان صاحبهما حالة من السكينة الدائمة.
من الناحية العملية، يمكننا ترسيخ هذه الفكرة بالبدء في مراقبة مشاعرنا بموضوعية… فعندما نشعر بميلٍ إلى الغضب أو الشغف أو القلق، نتساءل قبل كل شيء: ما الذي يحدث في داخلي؟ وما اسم هذا الشعور؟ ثم ننتقل إلى سؤال: ما الذي يحتاجه هذا الشعور؟ هل يحتاج إلى الاعتراف والتفهم؟ أم إلى التعبير عنه بطريقة بنّاءة؟ ثم نتساءل السؤال الجوهري: هل يقوم هذا الشعور او يلبي الانتماء وتمني الخير، أم أنه انفعال مؤقت قد يزول سريعًا؟ بهذه الخطوات، نميز بين العاطفة العابرة والحب الدائم.
عندما نعرف مشاعرنا بدقة قبل أن نتبناها، نصل إلى مرحلة يصبح فيها الحب مبدأً للعيش: نُوفّر لأنفسنا وللآخرين مساحةً من التفاهم والإبداع والنمو، وننعم بسلام داخلي عميق يُغنينا عن مطاردة الاحتياجات العاطفية الملحّة. وبذلك، يكون الحب حقًا قوة شاملة تبني جسور الخير بيننا وبين العالم أجمع.

