رحمك الله يا أبي...
فقدتك وأنا ابن الثالثة عشرة من عمري، كنتَ الأب والمعلّم، والمربي والموجّه.
رافقتك في أيامك الأخيرة، وتعلمت منك ما لا يُدرّس في المدارس ولا يُقال في المحاضرات.
كنتَ تصحبني إلى المزرعة، وتريني كيف تنبت الحبة وتثمر،
وترعى الماشية، وتزرع الأرض، وتبيع ما تحتاجه القرية من تجارة بسيطة لا تتجاوز حدودها.
ومع ذلك، كنتَ عظيمًا في عطائك، كبيرًا في صبرك، عادلًا في تقسيمك بيننا نحن أبناؤك.
كنتُ الخامس بين إخوتي الذكور، ويصغرني اثنان، أحدهما سبقني إلى دار الآخرة،
رحل بعدك بسبع سنوات، وكان لا يزال في الصف الثالث المتوسط...
في ذات العام الذي امتدت فيه يد الغدر لتعتدي على حُرمة بيت الله الحرام في حادثة جهيمان.
واليوم...
أسأل نفسي، وكل من يقرأ هذه الكلمات:
لو أن والدي لا يزال حيًّا، هل سأبرّه كما يستحق؟
هل سأخدمه بنفسي، أم أكتفي بخادمة وممرض؟
هل سأجالسه، أم أتركه يصارع الملل والصمت؟
هل سأصطحبه في خروجي ودخولي، أم أعتبره عبئًا على جدولي؟
هل سأشتري له احتياجاته، وأساعده في تناول طعامه، وأحمله إلى المشفى بقلق محب،
أم سأتهرب بحجة العمل والانشغال؟
ثم أسأل نفسي عن أخي...
لو طال به العمر، هل كنت سأقف إلى جواره؟
أدعمه في دراسته، وأعينه في زواجه، وأشاركه في بناء بيته؟
هل كنت سأقتسم معه رغيفي ومائي، وأحتضن أبناءه كأنهم أبنائي؟
أم كنت سأدعوه يطرق باب غيري، وأنا القادر على أن أكون له كل شيء؟
أسئلة كثيرة...
تقرع القلب، وتوقظ الضمير، وتعيدنا إلى أصل الدين: صلة الرحم.
وقبل أن أختم حديثي، أقول:
اللهم أدم أمي تاجًا على رأسي، وارزقني برها في كل لحظة من حياتها، وارزق إخواني وأخواتي وأحبتي برّ آبائهم وأمهاتهم، ومن لهم حقٌّ عليهم.
صلة الرحم ليست زيارة موسمية، ولا اتصالًا باهتًا، بل شعورٌ دائمٌ بأن أهلك امتداد قلبك، وسند ظهرك، وسبب بركتك من الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه."
فلنتأمل هذه النعمة المعلّقة على صلة الرحم: الرزق والعمر.
فكم من قاطع لرحمه ضاقت عليه الدنيا، وكم من واصلٍ لأرحامه فُتحت له أبواب الخير!
اللهم ارحم أبي وأخي، وجميع أموات المسلمين،
وأدم أمي نورًا في حياتي، واجعلنا من الواصلين لرحمهم، البارّين بهم في حياتهم وبعد رحيلهم.
(وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا).

