بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف خلقه اجمعين ..
من العادات الجميلة التي عُرفت بها المجتمعات العربية والإسلامية توقير الكبير، وإنزاله منزلته التي تليق بعمره وتجربته ومكانته. ولم يكن هذا التوقير كلمات تُقال فحسب، بل كان يظهر في التصرفات والسلوكيات اليومية، ومن ذلك تقديم الكبار في المجالس، وترك الأماكن المخصصة لهم، وعدم مزاحمتهم عليها.
ومما يؤسف له أن بعض صغار السن أصبحوا يتسابقون إلى صدر المجلس، ويجلس أحدهم في مكانٍ يعلم أنه موضع للكبار وأهل السن والخبرة، ثم إذا حضر كبيرٌ قام له متفضلاً، وربما ألح عليه بالأيمان أن يجلس مكانه، وكأنه صنع معروفاً يستحق الشكر والثناء.
والحقيقة أن هذا الفعل ليس منةً ولا فضلاً، لأن الأصل أن ذلك المكان لم يكن له من البداية. فليس من الأدب أن يسبق الشاب إلى موضع يعلم أن من هو أكبر منه سناً أولى به، ثم إذا حضر صاحبه تنازل له عما ليس من حقه أصلاً.
إن احترام الكبار لا يبدأ عند دخولهم المجلس، بل يبدأ قبل ذلك بحسن التقدير، ومعرفة المقامات، وإدراك أن لكل مقامٍ أهله. فالكياسة ليست في سرعة الوصول إلى صدر المجلس، وإنما في معرفة أين ينبغي أن يجلس الإنسان.
وقد كان السلف يربون أبناءهم على توقير أهل السن، ويعدون التقدم عليهم في غير موضعه من سوء الأدب وقلة المروءة. لأن المجالس ليست مجرد مقاعد، بل هي رسائل احترام وتقدير، يفهمها الناس دون أن تُقال.
وليس المقصود من هذا حرمان الشباب من المشاركة أو إقصاءهم عن المجالس، فالشباب عماد الأمة ومستقبلها، ولكن المقصود أن يعرف كل إنسان قدر نفسه، وأن ينزل الناس منازلهم، وأن يبقى للكبير حقه من التوقير والإجلال.
فمن الأدب أن يترك الشاب صدر المجلس للكبار، وأن يختار لنفسه مكاناً يليق بسنّه ومقامه، فإن دُعي بعد ذلك إلى التقدم فذلك تكريم له من أهل المجلس، أما أن يتقدم بنفسه ثم يتظاهر بالتنازل عند حضور الكبار، فذلك قلبٌ للمعاني، وإظهارٌ للفضل في غير موضعه.
إن المجالس الراقية لا تُعرف بفخامة مقاعدها، بل بمعرفة أهلها للحقوق والآداب، ومن أعظم تلك الآداب توقير الكبير، وإعطاؤه المكانة التي يستحقها، امتثالاً لقيم الدين والمروءة، وحفاظاً على ما ورثناه من أخلاقٍ نبيلة طالما ميزت مجتمعاتنا عبر الأجيال.
الكاتب : عبدالله البقمي

