بسم الله الرحمن الرحيم ..
والصلاة والسلام على خاتم النبيين ..
نصيب بن رباح كان عبداً مملوكا ، ولكن الله اجرى على لسانه الشعر .. وأراد أن يمدح عبدالعزيز بن مروان اخو الخليفة عبدالملك بن مروان وابو الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز ،من اجل أن يعطيه المال ليحرر نفسه من العبودية .. فأراد أن يختبر شعره قبل المثول امام اخو الخليفة ..
فذهب إلى الشاعر الكبير الفرزدق وأخبره انه شاعر ويريد من الفرزدق تقييم قصيدته .. أنشد نصيب الفرزدق قصيدة من نظمه، وكانت قصيدة رائعة.
فلما سمع الفرزدق شعر نصيب، أعجبه ؛ ولكنه حسده في الوقت نفسه، فهذا الشاعر قد ينافسه. فقال الفرزدق لنصيب: “إن استطعت أن تكتم ذلك (الشعر) على نفسك فافعل” (أي لا تنشده للناس ولا تفتخر به)..
فاقتنع نصيب وصدق الفرزدق وهو الشاعر الكبير في عصره وأراد ان يرجع ..
الا ان رجلاً كان يستمع إلى حديثهما، فلما رأى محاولة الفرزدق كسر نفسية نصيب، نادى نصيباً وقال له:”أهذا شعرك الذي أنشدته للفرزدق؟” قال: “نعم”. فقال الرجل: “والله لقد أصبت واجدت ، والله لئن كان الفرزدق شاعراً فقد حسدك، فإنا لنعرف محاسن الشعر، فامضِ لوجهك ولا يكسرنك”.
فذهب نصيباً الى عبدالعزيز بن مروان واسمعه القصيدة فأعجبته أيما إعجاب .. وأصبح مشهوراً لدى الخلفاء ، وعاد وحرر نفسه ووالدته واخته من العبودية. إنتهت القصة ..
هذه القصة دعتني لكتابة هذا المقال ..
ليست كل المعارك التي نخوضها في حياتنا ظاهرة للعيان، فبعضها يدور في الخفاء، في كلمةٍ تُقال، أو رأيٍ يُثبَّط، أو موهبةٍ تُدفن قبل أن ترى النور. وقصة الشاعر نصيب بن رباح ليست مجرد حكاية من الماضي، بل هي مرآةٌ تعكس واقعًا يتكرر في كلِ زمان.
كان نصيب عبدًا مملوكًا، لكنه امتلك ما لم يملكه كثيرون: موهبة الشعر. لم يكن الفقر أو الرق عائقًا أمام إبداعه، بل كان الدافع الذي جعله يسعى ليحرر نفسه وأهله. وحين قرر أن يعرض شعره على شاعر كبير، لم يكن يبحث عن مجدٍ زائف، بل عن تقييمٍ صادق يفتح له الطريق.
لكن المفاجأة لم تكن في جودة شعره، بل في ردّة الفعل. أعجب الشاعر الكبير بما سمع، لكنه لم يحتمل فكرة أن ينافسه. فبدل أن يدعمه، حاول أن يطفئ نوره بكلماتٍ ظاهرها نصيحة وباطنها حسد: “إن استطعت أن تكتم ذلك على نفسك فافعل.”
هنا تتجلى واحدة من أخطر المشكلات الإنسانية: أن يحاربك من يفترض أن يرفعك، وأن يُثبِّطك من يُفترض أن يُلهمك.
كم “فرزدق” في حياتنا اليوم؟
كم مديرٍ يخشى أن يتفوق عليه موظفٌ مجتهد، فيهمّشه أو يقلل من إنجازاته؟
كم زميلٍ لا يحتمل نجاح غيره، فيحاول التشكيك فيه أو إحباطه؟
كم قريبٍ أو صديقٍ يُخفي خلف ابتسامته غيرةً تمنعه من أن يراك تتقدم؟
ليست المشكلة في وجود هؤلاء، فهم جزء من طبيعة البشر، لكن الخطر الحقيقي أن نصدقهم.
نصيب كاد أن يعود أدراجه، كاد أن يدفن موهبته بيده، لولا كلمة صادقة من رجلٍ رأى الحق فقال له: “امضِ لوجهك ولا يكسرنك.”
تلك الكلمة كانت الفارق بين عبدٍ مغمور، وشاعرٍ يُخلِّد اسمه، ورجلٍ استطاع أن يشتري حريته وحياة أهله.
في حياتك أيضًا، ستسمع الصوتين:
صوتٌ يثبّطك… وصوتٌ يدفعك.
صوتٌ يُشكك… وصوتٌ يؤمن بك.
والقرار في النهاية لك: أيّهما تختار؟
ليست كل نصيحةٍ صادقة، وليست كل مكانةٍ دليلًا على النزاهة. أحيانًا، يأتي الإحباط من الأعلى، ويأتي الدعم من حيث لا تتوقع. لذلك، لا تجعل قيمة كلام الآخرين أعلى من يقينك بنفسك، ولا تسمح لأحدٍ أن يختصر مستقبلك في رأيٍ عابر.
“الفرزدق” في حياتك قد يحاول أن يقنعك بأن تخفي نورك…
لكن العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الظلال، بل إلى من يجرؤ على الإضاءة.
فإن كنت تملك موهبة، أو حلمًا، أو فكرة…
فامضِ لوجهك، ولا يكسرنك أحد.
بقلم الكاتب/ عبدالله البقمي

