بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين .. والصلاة والسلام على نبينا الأمين .
في كثير من اللقاءات الإعلامية، نرى مذيعاً يقف أمام رجلٍ مسنّ تجاوز الثمانين أو التسعين من عمره، يسأله بثقة: “ما سرُّ وصولك إلى هذا العمر وأنت بصحةٍ جيدة؟”
ويبتسم المسنّ إجابةً منه أو مجاملةً للسائل، فيقول: “أستيقظ مبكرًا… أشرب ماء غير بارد… أمشي قليلًا…”.
إجابات دبلوماسية بسيطة، لا تعكس بالضرورة السر الحقيقي لطول العمر، لأن الحقيقة التي يغفلها البعض—أو يتغافلون عنها—أن الأعمار بيد الله وحده، لا بيد العادات الصحية ولا بيد الأطباء مهما بلغوا من خبرة.
فالعالم مليء بالأمثلة التي تكسر كل القواعد والنظريات؛
كم من ملك أو أمير أو رئيس أحاط نفسه بأمهر الأطباء، وبأفضل التغذية والعناية والتمارين، لكنه أصيب بالمرض أو توفي صغيرًا.
وفي المقابل، كم من رجلٍ بسيط يعيش في قرية نائية، لا يملك من مقومات الصحة إلا القليل، ومع ذلك يعمّر حتى يبلغ من العمر عتيّاً، وكأن الله قد كتب له امتداداً في الحياة يفوق كل التوقعات.
هذه الظواهر تذكرنا بأن الإنسان قد يأخذ بالأسباب، لكن النتائج من عند الله.
وليس المقصود من ذلك التقليل من أهمية العادات الصحية، أو الدعوة لإهمال الجسد؛ فالنبي ﷺ قال: “تداووا عباد الله”، وشريعتنا تحثّ على الاعتدال والتمتع بنعمة الصحة. لكن الخطأ هو الاعتقاد بأن طول العمر نتيجة مباشرة لوصفة ما أو نظام معين، وكأن الإنسان يستطيع شراء السنوات أو التحكم في قدره.
إن ما يرويه بعض المعمرين عن أن سر حياتهم هو الاستيقاظ المبكر أو شرب الماء بدرجة معتدلة أو المشي اليومي، قد يعكس أسلوبًا ساعدهم في العيش بصحة أفضل، لكنه ليس هو السبب الحقيقي لطول أعمارهم، وإلا لكانت الوصفة تنجح مع الجميع بلا استثناء.
الحقيقة الأعمق أن الأعمار تُكتب قبل أن نولد، وتُقدّر بميزان رباني لا يخضع لحسابات البشر.
وكل ما يملكه الإنسان هو أن يعيش حياته بما يرضي الله، يحافظ على صحته قدر المستطاع، ويتعامل مع جسده كأمانة، ثم يسلّم أمر ما تبقى إلى خالقه.
ولعل أجمل ما في قصص المعمرين ليس معرفة “كيف عاشوا طويلًا؟” وإنما كيف عاشوا حياتهم؟
كيف رضوا، وصبروا، واستمروا، وكيف مرّ الزمن عليهم بعفويته؟
فالسنوات ليست مقياساً للحياة، بل التجارب والإيمان والطمأنينة التي يعيشها الإنسان مهما قصر عمره أو طال.
وختامًا…
قد نسأل المعمّر: “ما سر طول عمرك؟”
لكن الإجابة الحقيقية—التي لا تُقال غالبًا—هي:
“قَدَرُ الله… وما نحن إلا عابرون في طريق كُتِبَتْ ملامحه قبل أن نبدأ السير فيه.”
بقلم الكاتب : عبدالله حباب البقمي
