يأتي انعقاد هذا المؤتمر حول موضوع الأمن الغذائي في وقت يمر فيه العالم أجمع بظروف معيشية استثنائية ألقت بظلالها على الجوانب الحياتية اليومية، حيث بات عدد كبير من الأفراد في مختلف المجتمعات، يكافحون بجلد وقوة وعزم لتوفير قوت يومهم، في ظل بروز عدد من التحديات التي باتوا يواجهونها وأصبحت تثقل كاهلهم، مثل عدم توفر السلع الغذائية، في ظل عراقيل اتصلت بسلاسة الإمدادات في العالم، إلى جانب تضخم أسعار الأسواق، الأمر الذي يحتم على الحكومات والمنظمات الدولية أن تضع حلولاً حقيقية لاحتواء أي مخاطر غذائية قائمة أو محتملة.
ويعتبر تحدي الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات التي تواجه دول العالم في الآونة الأخيرة، الأمر الذي وضع المزيد من العبء على الحكومات والمجالس التشريعية في اتخاذ الخطوات اللازمة نحو تحقيق المقدار الأساسي من الأمن الغذائي بعناصره الأربعة وهي (توفر الغذاء والحصول على الغذاء واستغلال الغذاء واستقرار الغذاء)، بالإضافة إلى أهمية العمل على الحفاظ على مستويات آمنة لتدفق المواد الاستهلاكية الغذائية الحيوية الضرورية لسير الحياة اليومية في حدها الأدنى.
وبلا شك، فإنه لا يخفى عليكم التعقيدات التي اتصلت بتحقيق الأمن الغذائي على الصعيد العالمي، لأسباب عدة، تأتي في مقدمتها الآثار التي تركتها جائحة كورونا والتي سببت ارتفاعاً في الطلب على الغذاء من جهة ونقص في الإنتاج من جهة أخرى، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة وتأثر الإنتاج الزراعي بذلك، فضلا عن النزاع القائم بين روسيا وأوكرانيا، والتي أثرت بشكل مباشر على توريد عدد من السلع الغذائية الرئيسية وذلك باعتبار البلدين أكبر مصدرين للقمح والذرة وبعض المواد الغذائية الأساسية الأخرى حول العالم.
السيدات والسادة،،
إننا بحاجة لوقفة حقيقية أمام المشكلة الغذائية القائمة، والبحث عن حلول عملية، خاصة مع المؤشرات الخطيرة التي تضمنها تقرير منظمة الأمم المتحدة للزراعة والأغذية “الفاو” الصادر في أغسطس 2022، والتي اكدت خلاله أن أزمة الغذاء تضيق الخناق على 19 بؤرة جوع ساخنة في العالم، مع تصاعد الصراعات وتفاقم عدم الاستقرار الاقتصادي والآثار المترتبة على الجائحة، ويشير التقرير إلى أن الجوع في العالم قد ازداد مرة أخرى في عام 2021، مما يعكس تزايد عدم المساواة بين البلدان وداخلها. وأن 828 مليون شخص عانوا من الجوع في 2021 بزيادة 46 مليونا عن 2020 و150 مليونا عن 2019 قبل الجائحة.
وتوقع التقرير بكل أسف أن نحو 670 مليون شخص سيظلون يعانون من الجوع في عام 2030، أي 8% من سكان العالم، أما البنك الدولي فقد أشار في تقريره الصادر خلال شهر يناير الماضي حول موضوع الأمن الغذائي أن أسعار الغذاء ستظل مرتفعة في جميع أنحاء العالم تقريباً، إذ من المتوقع أن يلقي ارتفاع أسعار الطاقة بظلاله على قطاع الزراعة والغذاء في العالم، كما أن تداعيات الأمن الغذائي يمكن أن تسبب مشاكل على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والصحية للدول ذات الدخل المنخفض.
ومن المؤكد أن هذه التقارير بما تحمله من أرقام واحصائيات قد تكون في مجملها سلبية، إلا أنها يجب أن تشكل دافعاً قوياً لنا لإحداثِ تحركات برلمانية عاجلة تتسق مع التوجه العالمي القائم على معالجة الأمن الغذائي وإيجاد الحلول النافعة التي تتسم بالموضوعية والواقعية، والقائمة على التوظيف الأمثل للموارد المتوفرة بأقل التكاليف وأفضل العوائد على المجال الغذائي الحيوي.
السيدات والسادة،،
يحظى ملف الأمن الغذائي باهتمام كبير في مملكة البحرين، في ظل ما يلقاه من دعم واهتمام كبيرين من حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المعظم، وبمتابعة مستمرة من قبل الحكومة الموقرة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وذلك لما يمثله هذا الملف من أهمية للأجيال الحالية والمستقبلية، حيث لمسنا جميعاً في الآونة الأخيرة تنامي الاهتمام الوطني بملف الأمن الغذائي على مختلف المستويات، حيث حث جلالته السلطة التشريعية إلى “إيجاد حلول ترتقي بجودة حياة الإنسان واستمرار تمتعه بالعيش الكريم، وخصوصاً في مجال تحقيق الأمن الغذائي، بحيث تبادر البحرين، بكل جدية، بتبني الحلول المناسبة لتطوير مجالات الاكتفاء الذاتي، حيث أصدر جلالته توجيهاته المباركة بوضع وتنفيذ «مشروع استراتيجي للإنتاج الوطني للغذاء»، ليشمل تخصيص مواقع متعددة للاستزراع السمكي والإنتاج النباتي. ويهدف المشروع بشكل رئيسي، إلى تطوير القدرات الوطنية في مجال الصناعات الغذائية ورفع نسبة الإنتاج المحلي، والحفاظ على خبرة أصحاب تلك المهن ليكونوا جزءً هاماً في إنجاح تلك المشاريع، كما دعا جلالته لتوجيه رؤوس الأموال إلى المجالات التنموية ذات القيمة المضافة، والتي أثبتت الأزمة الصحية أهمية وجدوى تطويرها، كمجال التحول الرقمي والاستثمار في القطاع الطبي وتأمين الاكتفاء الغذائي.
وانطلاقاً من الرؤى الملكية السامية بادرت مملكة البحرين للقيام بمجموعة من الخطوات الرائدة في هذا المجال منها تدشين استراتيجية الأمن الغذائي 2020-2030 بالاشتراك بين حكومة مملكة البحرين ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، وذلك بهدف تحقيق الغايات الاستراتيجية الرامية لتشجيع النظم المبتكرة التي تنهض بنوعية الإنتاج وكميته وتضمن الاستدامة للأغذية المنتجة، والحد من هدر الغذاء وضمان الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير التدابير اللازمة من أجل تخفيف وطأة الاضطرابات التي تؤثر على الواردات من خلال رصد الاحتياطات وتعزيز بيئة التجارة والاستثمار.
وفي سياق استكمال الجهود الوطنية في البحرين، صدر عن جلالة الملك المعظم مرسوم يفضي لتأسيس شركة البحرين للتطوير الزراعي، فيما تم إطلاق (المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي) بمشاركة جميع الجهات المعنية في المملكة، حيث ترأس قرينة عاهل البلاد المعظم المجلس الاستشاري للمبادرة، وتهدف هذه المبادرة لإعادة ازدهار القطاع الزراعي.
السيدات والسادة
نحن كبرلمانيين لا يقل دورنا الوطني أهميةً عن الدور الحكومي والدولي، بل يأتي مكملاً له في هذا الشأن، كما يقع على عاتقنا مسؤوليات جسيمة تستوجب العمل على تطوير التشريعات الوطنية في مجال تعزيز الأمن الغذائي لتواكب التغيرات المتلاحقة المتعلقة بتحقيق الأمن الغذائي، مع الحرص على تكثيف الجهود المشتركة وتحقيق التكامل البرلماني العربي في سبيل الحد من تداعيات نقص الغذاء على الصعيد العالمي، حيث أدركنا في مجلس النواب البحريني المسؤولية الوطنية التي نحملها في سبيل تجاوز تحديات الأمن الغذائي، واتخذنا من التوجيهات الملكية السامية نبراساً نهتدي به ومنهاجاً نقتدي به في هذا المجال، وحرصنا على أن يكون ملف الأمن الغذائي ضمن أولويات العمل التشريعي، من خلال سن التشريعات وتطوير القوانين الحالية، وتفعيل الأدوات الرقابية بكافة وسائلها، بما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالات الغذاء والاستزراع السمكي والثروة البحرية والقطاع الزراعي، وتعزيز الخطوات التي من شأنها الارتقاء بالإنتاج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي، حيث ناقش مجلس النواب في هذا الشأن ما يربو على ستينَ موضوعاً.
كما أننا نعتزم مواصلة الجهود الوطنية بالتعاون والتنسيق مع السلطة التنفيذية وأشقائنا في البرلمانات العربية، لتحقيق المزيد من المنجزات والمكتسبات في مجال تحقيق الأمن الغذائي الوطني وتقليص الاعتماد على الاستيراد الغذائي خاصة للمواد الأساسية التي ترتبط بحياة المواطن البسيط.
السيدات والسادة
أود أن أغتنم الفرصة اليوم ، لأضع بين أيديكم عددا من المقترحات التي أرى فيها سبيلاً لتحقيق الأمن الغذائي لأوطاننا وشعوبنا العربية، وذلك من خلال:
ضرورة العمل على تقديم الدعم التشريعي اللازم لتوجيه الاستثمار نحو التحول في نظم الغذاء، من خلال العمل على تقديم الدعم الفعال والمستدام لصغار المزارعين محلياً لضمان شمولهم كجزء من الحل وتوطين سلاسل الإمداد، مع أهمية إشراك القطاع الخاص وتمكينه من القيام بدور رئيسي في هذا الشأن.
أهمية التوظيف الأمثل للأدوات التشريعية والرقابية التي تمتلكها البرلمانات بما يكفل مراعاة الشرائح الأكثر احتياجاً في المجتمع، والحرص على توفير وسائل الدعم اللازمة لهم لتحقيق الأمن الغذائي، كبرامج الدعم والبطاقات التموينية أو حتى منح نسب تخفيض على الفواتير الاستهلاكية الخاصة بهم.
أهمية تعزيز العمل البرلماني المشترك وتبادل الخبرات بين الدول العربية في مجال التشريع والرقابة ودراسة التجارب الناجحة بمجال الإنتاج الغذائي ومواجهة التحديات المتعلقة بالأمن الغذائي مثل التغييرات المناخية وزيادة الإنتاج المحلي وتعزيز سلاسل التوريد بين الدول العربية، وذلك بهدف تعميمها والاستفادة منها لتحقيق الفائدة إقليمياً ودولياً.
تعزيز الرقابة البرلمانية المستمرة على الخطوات الوطنية والمبادرات التي تصب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، ومواصلة اقتراح المبادرات في هذا الشأن، وتوظيف المؤشرات المتاحة لقياس تحقيق الأهداف.
السعي لاقتراح وتعديل التشريعات التي تصب في اتجاه حماية البيئة والوقاية من آثار التغيرات المناخية، حيث أن العلاقة تبادلية بين البيئة والأمن الغذائي، فالمشاكل البيئية ذات تأثير مباشر على عملية الإنتاج الغذائي.
السعي نحو تحقيق التكامل العربي و الإقليمي والدولي لمواجهة تحديات الأمن الغذائي، والدفع بمزيد من توحيد الجهود في هذا الشأن، فالجهود الفردية مهما كانت مكثفة ستبقى غير قادرة على تحقيق النجاح في مواجهة هذه الأزمة.
تعزيز التشريعات التي تتعلق بمجال الاستثمار الزراعي والغذائي وأهمية مواكبتها المستمرة لتذبذب مستويات الأمن الغذائي محلياً وإقليمياً ودولياً، وتشجيع المبادرات الوطنية في مجال الأمن الغذائي سواءً الزراعية أو الصناعية.
