نعيش اليوم في زمنٍ يمكن تشبيهه بحديقة حديثة، واسعة ومضيئة، تمتلئ بالألوان والأصوات والإشارات المتحركة. حديقة جميلة في ظاهرها، لكنها مزدحمة إلى حدّ تجعل الإنسان أحياناً ينسى سبب دخوله إليها.
في هذا العصر الرقمي، تحيط بنا الرسائل من كل جانب، وتنهال الإشعارات بلا توقف، حتى يصبح الانتباه سلعة نادرة، والهدوء رفاهية يصعب الوصول إليها.
هذا العالم ليس عدواً للإنسان، ولم يُخلق ليكون عبئاً عليه. بل على العكس تماماً، فهو نتاج عقله وجهده، ووسيلة قرّبت المسافات، وذللت الصعاب، وفتحت آفاقاً واسعة للمعرفة والتواصل. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحوّل الاستخدام إلى عادة بلا وعي، فيصبح الحضور مرتبطاً بشاشة هاتف، والاهتمام مرهوناً بتنبيه أو إشعار، والتواصل مجتزأ في محادثة أو اتصال لثوان.
ومع مرور الوقت، نجد أنفسنا نعتمد على الرموز المختصرة أكثر من تعبيرات الوجه الحقيقية، وعلى الرسائل السريعة أكثر من نبرة الصوت الصادقة. فنربح السرعة وسهولة الوصول، ولكننا نخسر شيئاً من العمق الإنساني. فيزيد الاتصال، ويذبل التواصل؛ الذي يقوم على الإصغاء والتفاعل والشعور.
ليس المطلوب أن نرفض التقنية أو نهرب منها، فذلك تطرف وتخلف. ولكن المرجو هو أن نعيد ترتيب علاقتنا بها. وأن نستخدمها بوعي، لا أن نسمح لها بأن تستخدمنا. وأن نعرف متى نمد أيدينا إلى هواتفنا، ومتى نحتضن بها أنفسنا ومن نحب.
ففي زحمة الأيام، نحتاج أحياناً إلى التوقف. وإلى الجلوس بصمت، ولو لدقائق، بعيداً عن الشاشات. نحتاج إلى أن نسمع أصواتنا الداخلية دون مقاطعة، وأن نستعيد الإحساس المرهف بنا وبالأشياء من حولنا… يتجلى ذلك في حديث مباشر، أو نظرة صادقة، أو حتى لحظة تأمل هادئة. هذه التفاصيل الصغيرة، التي لا يمكن للتقنية أن تعوّضها، هي ما تمنح الحياة دفئها ومعناها.
علماً أن التوازن هنا لا يعني التقليل أو الإكثار، بل يعني الاختيار. أن نختار متى نكون متصلين، ومتى نكون حاضرين، وأن ندرك الفرق بين أن نعرف أخبار الجميع، وبين أن نفهم من يجلس أمامنا. فالتواصل الحقيقي لا يحتاج إلى شبكة قوية، بل إلى قلب منتبه وعقل حاضر.
وفي النهاية فالتوازن ليس قراراً نتخذه مرة واحدة، بل ممارسة يومية متجددة. هو أن نعيش في عصر التقنية دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نستفيد من أدوات هذا العصر دون أن نذوب فيها.
وحين ننجح في ذلك، يصبح العالم الرقمي خادماً مطيعاً، ونبقى قادرين على أن نكون بشراً… نشعر، ونفهم، ونتواصل بصدق، وسط كل هذا الضوء والضوضاء.

