في عام ١٩٧٩م عاد الخميني إلى طهران بعد فترة طويلة قضاها في الخارج إثر ثورة تزعم بها للإطاحة بشاه إيران ، فاستقبله الشعب الإيراني مرددين عند نزوله من الطائرة المقلة به بصوت واحد : السلام عليك أيها الإمام الخميني .
وكانت هذه نهاية لحقبة فوزان الثورة ورسوها على شواطئ الملالي .
وسرعان ماتحرك الرجل غير مهدراللوقت ، مستغلا عامل القوة العظمى التي حظي بها ، بعد ما أصبح مقدسا في الأمة الإيرانية ، فقام بالإطاحة سريعا برئيس الوزراء شابور باختيار قائلا : سوف أركل أسنانهم لقلعها ، وعين بدلا منه مهدي براكان ، وأعطاه تفويضا وقال : بما أنني قد عينته فلا بد أن يطاع . ثم اعتبر حكومته (حكومة الله ) وحذر من أن عصيانها هو عصيان لله .
بمكر ودهاء كبيرين ، رسم الخميني نفسه كمرشد روحي للثورة ، مانحا نفسه منصبا أكبر من أي سلطة بل صار هو باعث السلطة نفسها ومحركها الأول .
إستطاع الخميني أن يزيل كل عقبة أمامه من أعداء ومناصرين وطامعين ، فجعل إيران تحت نظام ولاية الفقيه ، كان قائدها الأول ومرشدها الأعلى .
فكانت الثورة المزعومة إنطلاقها من هذا المبدأ ، وهو اتباع ولاية الفقيه ، وتنفيذ وصاياه .
حين كان الخميني يتوعد بتصدير الثورة كانت كل الأنظار تتجه إلى الحرب العراقية الإيرانية على اعتبار أنها ناقلة التصدير الوحيدة ، لكن أحدا لم ينتبه إلى ما هو أمضى وأبلغ أثرا من المدافع وراجمات الصورايخ الإيرانية التي كانت تتساقط على الأراضي العراقية ، وهي الوفود المعممة التي كانت تتوافد من قم باتجاه سورية وجبل عامل في جنوب لبنان بحجة زيارة بعض المواقع المقدسة ، كان حينها شيعة لبنان جزءا لا يتجزأ من النسيج القومي العربي .
وكان الخميني بحربه مع العراق يبدوا في غاية الذكاء عند ما استطاع أن يصرف الأنظار عبرها عن الأداة الأكثر مكرا لتصدير ثورته الإيديولوجية ،حتى إنه لم يعد من الغريب أن تظهر بعض المراجع الدينية الشيعية في لبنان على الملأ وهي تتحدث بلغة هجين تأخذ نقطة الوسط بين الفارسية والعربية .
في هذه الأثناء كان حزب الله الذي ولد من رحم إيرانية ، يستفيد من حضوره المذهبي في الجنوب اللبناني لتحتكر المقاومة مزيجا عن طريقة كل القوى والتيارات والطوائف التي أسست المقاومة ضد إسرائيل ، ثم ليدفع الكثير من أبناء الأمة العربية للتصفيق لاستبساله في المقاومة ، خصوصا وهو يبدوفي غاية الزهد في الشأن الداخلي إلى ماقبل اغتيال الرئيس الحريري ، ودون شعور بأنهم يصفقون لخطة محكمة لتصدير الثورة الإيرانية بكل إيديولوجيتها عبر هذا الحزب الذي آزر كل الثورات العربية ..
لكنه ما أن تهدد خط إمداده بقيام الثورة السورية حتى انقلب على عقبه وكشف عن دوره الحقيقي بعد أن سقطت ورقة توت المقاومة ليحكم قبضته بقوة السلاح الذي انكفأ من الجبهة الجنوبية إلى الداخل اللبناني ، على الحكم والحكومة .
وإذا ما أضفنا هذا إلى مايحدث مع السودان والحوثيين في اليمن وحماس في فلسطين فإننا سنجد أن ذراع الثورة الإيرانية تمتد في كل الإتجاهات لتعبث في هذه المنطقة.
ففي القارة الإفريقية تنفق إيران المليارات في شكل خدمات اجتماعية مجانية عبر شبكة واسعة من المستشفيات ودور رعاية الأيتام ، زيادة على أدارة أكثر من ١٠٠مدرسة دينية وندوات ومؤتمرات ، إلى جانب الرش والعطايا التي تقدم تحت مسمى ( مساعدات مالية ) للحكومات .
وتتضمن لائحة أهداف إيران في سياستها الخارجية الموجهة لإفريقيا تصدير إيديولوجيتها للمجتمع المسلم الممتد في القارة الإفريقية ، فسح المجال لتنفيذ عمليات ارهابية .
ففي الذراع التعليمي إيران تلعب دورا خطير في نشر نظام الملالي ، فأنشأت جامعة المصطفى والتي اتخذت قم مقرا رئيسيا لها ، وتدار بإشراف مباشر من المرشد على خامني ، فروع مالايقل عن ٦٠ دولة عبر مختلف قارات العالم تتولى عبرها تعليم مالايقل عن ٤٠ألف إمام ، كما أن نحو ٤٥ ألف طالب تخرجوا في هذه الجامعة في السنوات العشر الأخيرة من داخل فروعها في إيران وخارجها .
أما الفروع الرئيسيّة للجامعة فتقع في ١٧ دولة إِفريقية ، تدعمها فروع ثانوية في ٣٠ دولة توفر مجتمعه ١٠٠مؤسسة تعليمية بين مدارس ومراكز إسلامية ، ويخضع حاليا ٦ آلاف رجل دين إفريقي لدروس ودورات تدريب في فروع جامعة المصطفى داخل إيران وخارجها.
وفي الحج تقوم إيران بدورها العدواني لشعائر الإسلام بإرادة تعكير صفاء الأجواء بشعارات وهتافات كاذبة وباطلة بعيدة عن الجو الروحي الإيماني .
لقد بدأت محاولات ملالي طهران في تسييس قضية الحج وضرب صورة المملكة في تنظيم شعائر ومراسم أقدس العبادات لدى المسلمين ، وصولا إلى الإستهداف المباشر لحجاج بيت الله الحرام عبر افتعال عناصر المخابرات الإيرانية الذين يلبسون لباس الإحرام عدة حوادث دامية ، أبرزها ( أحداث مكة عام ١٩٨٧م) .
بقلم الشيخ : نورالدين محمد طويل
إمام وخطيب المركز الثقافي الإسلامي بمدينة درانسي شمال باريس في فرنسا

