يُعد القولون العصبي من أكثر أمراض العصر انتشاراً، خاصة في السنوات الأخيرة، ولكن الغريب في هذا المرض أنه ليس مجرد "وجع البطون" أو اضطراب هضمي عابر، بل هو حالة معقدة تجمع بين ألم الجسد وضجيج النفس، فهل فكرت يوماً لماذا تزداد آلام قولونك قبل لقاء شخص ما، أو امتحان مهم أو مقابلة عمل مصيرية؟
ولكي نفهم العلاقة بين القولون والنفس، يمكن القول بأن هذه العلاقة تبادلية؛ فالدماغ والجهاز الهضمي مرتبطان بشبكة أعصاب مباشرة تجعل القولون يتأثر بكل فكرة تقلقك، وعندما تشعر بالتوتر أو "العصبية"، يرسل مخك إشارات كيميائية فورية للأمعاء تؤدي لتشنج عضلاتها (مغص وانتفاخ)، وفي المقابل، فإن استمرار ألم القولون المزعج يضغط على أعصابك ويزيد من شعورك بالقلق أو "الوسواس" من المرض، ليدخلك في حلقة مفرغة تبدأ من رأسك وتنتهي في بطنك والعكس صحيح.
ويذكر المختصون أن القولون العصبي عبارة عن حالة يتفاعل فيها الجهاز الهضمي بطريقة غير طبيعية مع بعض الأطعمة،
أو ( وهو الأهم ) عند التعرض لضغوط نفسية شديدة، والعلاقة هنا طردية؛ فالقلق يثير القولون، والقولون يرسل إشارات مزعجة للمخ تزيد من حالة التوتر، وأخطر ما في القولون العصبي هو ارتباطه الوثيق بالاضطرابات النفسية، فالحالات المتقدمة قد لا تقف عند حدود الشعور بـالضيق، بل قد تتطور إلى الوسواس القهري، حيث يتحول التوتر المستمر إلى أفكار ملحة ومخاوف لا تنتهي، بالإضافة إلى الاكتئاب الحاد الذي يحدث نتيجة الألم المزمن وعدم القدرة على ممارسة الحياة الاجتماعية بشكل طبيعي، أيضا الانسحاب الاجتماعي، فقد يجد المصاب نفسه مضطراً للبقاء وحيداً أو يترك العمل بسبب نوبات الألم المفاجئة والإحراج المرتبط بها.
ولكن كيف تعرف أن قولونك عصبي وليس عضويا فقط؟ تظهر الأعراض النفسية للقولون بوضوح من خلال عدة علامات، منها: الشعور الدائم بالحزن والضيق دون سبب واضح، ومن خلال اضطرابات النوم وصعوبة التركيز، وكذلك زيادة ضربات القلب وسرعة التنفس عند التوتر، وعند فقدان الشهية أو العكس تماماً، وتشير الإحصاءات إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالقولون العصبي بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف الرجال. ويعود ذلك إلى طبيعة الهرمونات، وسرعة تقلب المزاج، والمشاعر المرهفة، خاصة في فترات معينة مثل الحمل، مما يجعل الجهاز الهضمي لديهن أكثر حساسية للضغوط.
أيها القارئ العزيز: العلاج لا يبدأ فقط من الصيدلية بأدوية تنظيم حركة الأمعاء، بل يبدأ من الداخل، حيث ان فهم المريض بأن حالته مرتبطة بضغوطات الحياة هو نصف الطريق للشفاء، لذا، ينصح الخبراء بضرورة الموازنة بين الغذاء الصحي وبين تقنيات الاسترخاء والابتعاد عن مسببات القلق، فقولونك هو مِرآة لحالتك النفسية؛ فإذا أردت أن تهدأ أمعاؤك، إبدأ بتهدئة عقلك وتنظيم حالتك الوجدانية الانفعالية أولاً.
وإليك النصيحة النفسية - الجسدية الأهم،
وهي: أن تفرغ مشاعرك بالكلمات، قبل أن يترجمها قولونك بصرخات الألم، فهناك قاعدة ذهبية تقول: "ما لا ينطق به اللسان، يتحدث به الجسد"، والقولون العصبي غالباً ما يكون مخزناً للمشاعر المكبوتة؛ فالتوتر الذي تخفيه، والغضب الذي تكتمه، والقلق الذي تحاول تجاهله، لا يختفي بل يتحول إلى شحنات كهربائية زائدة تضرب جدران أمعائك وتسبب التشنج والانتفاخ؛ لذلك لا تحبس ضيقك داخلك؛ بل جرب الكتابة، أو التحدث لصديق، أو حتى ممارسة رياضة بسيطة لتفريغ الطاقة السلبية، وعندما تعطي مشاعرك مخرجاً خارجياً آمناً، فأنت تعفي قولونك من مهمة القيام بدور "صمام الأمان" الذي ينفجر بالألم نيابة عنك.

