بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
في ظاهرة باتت تتكرر في بعض الأحياء، يترك كثير من المصلين المساجد القريبة من منازلهم، ويتجهون بأعداد كبيرة إلى مسجدٍ بعينه، حتى يضيق المكان بالمصلين، فيمتلئ المسجد عن آخره، ويضطر بعضهم للصلاة في الساحات والأرصفة والطرقات، بينما تبقى المساجد القريبة شبه خالية لا يتجاوز المصلون فيها صفاً أو صفين.
هذه الظاهرة تخالف مقاصد الشريعة التي دعت إلى عمارة جميع المساجد، وعدم تعطيل بعضها على حساب بعض. قال الله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:18]،
وقال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:18].
وقد نهى العلماء عن قصد مسجد بعيد وترك المسجد القريب إذا كان في ذلك تعطيل للمساجد الأخرى أو إحداث مشقةٍ وأذى. ومن ذلك ما أفتى به مفتي المملكة الشيخ صالح الفوزان بأن تعمد ترك المسجد القريب والذهاب إلى مسجد بعيد لأجل الصوت أو الإمام أو غير ذلك لا يجوز .
بل إن الأمر يتجاوز مجرد ترك المسجد القريب؛ إذ يتسبب هذا التكدس في إغلاق الطرقات داخل الأحياء، ووقوف السيارات أمام أبواب المنازل والكراجات، مما يعطل حركة السكان ويؤذيهم. وقد نهى الإسلام عن إيذاء الناس في طرقاتهم .
فإذا كان مجرد الأذى في الطريق مذموماً، فكيف بإغلاق الطرق وتعطيل مصالح الناس والتضييق عليهم؟
ومن صور الأذى أيضاً ما يحدث أحياناً من منع سيارات الإسعاف أو الدفاع المدني من الوصول بسرعة عند الطوارئ بسبب الازدحام الشديد وكثرة السيارات، وهو أمر قد يعرض الأرواح للخطر، والشريعة جاءت بحفظ النفس ورفع الضرر عن الناس.
ومما يندى له الجبين رؤية عدد كبير من النساء يصلين في باحات المساجد و على الأرصفة خارج المسجد، مع أن الشريعة جعلت صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الصلاة في المسجد أصلاً. قال النبي ﷺ:
«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» رواه أبو داود.
فإذا كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها داخل المسجد، فكيف بمن تصلي خارجه في الطرقات والأرصفة تحت نظر المارة؟
إن العبادة في الإسلام قائمة على مراعاة المصالح ورفع الأذى عن الناس .
ومن هنا فإن الواجب على المسلم أن يحرص على الصلاة في المسجد القريب من منزله، وأن يساهم في عمارة جميع المساجد، وألا يجعل عبادته سبباً في إيذاء الآخرين أو تعطيل مصالحهم. فالصلاة طاعة عظيمة، لكنها لا تكون كاملة إلا إذا اقترنت بالأدب مع الناس، واحترام حقوق الجيران، ومراعاة النظام العام.
ولو أن كل مصلٍ صلى في مسجده القريب، لعُمِرت المساجد كلها، وانتظم السير في الأحياء، وسلم الناس من الأذى، وتحولت العبادة إلى صورة حضارية تليق بعظمة هذه الشعيرة.
بقلم الكاتب/ عبدالله البقمي

