بسم الله الرحمن الرحيم ..
والصلاة والسلام على رسوله الأمين .. اما بعد :
حرّم الإسلام التنجيم وادعاء علم الغيب تحريماً قاطعاً، وعدَّه من أنواع الكهانة والسحر والشرك، لما فيه من منازعةٍ لصفةٍ اختصَّ الله بها نفسه: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}. ومع ذلك، ما إن يطلّ عامٌ جديد حتى تتزاحم بعض القنوات الفضائية على استضافة من يسمّون أنفسهم “خبراء طاقة” أو “منجّمين” أو “قارئي أبراج”، فيقدّمون للناس قائمةً من التوقّعات والسيناريوهات، تُصاغ بعبارات فضفاضة، وتُقدَّم في قالبٍ إعلامي جذّاب، فيختلط الوهم بالترفيه، ويُسوَّق الباطل على أنه تحليل أو استشراف.
المؤسف أن هذه الظاهرة لا تقف عند حدود الشاشات؛ بل تمتد إلى محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُتداول تلك المقاطع والتوقعات على نطاقٍ واسع، ويُعاد نشرها وكأنها حقائق موثّقة. يتناقلها البعض بدافع الفضول، وآخرون بدافع التسلية، وغيرهم بدافع القلق من المستقبل، حتى تصبح مادةً يومية للنقاش، وتتحول الأكاذيب إلى “ترند” يتصدر المشهد.
إن خطورة التنجيم لا تكمن فقط في مخالفته الصريحة للعقيدة، وأنه من الشرك الأكبر ، بل في أثره النفسي والاجتماعي.
فهو يزرع الوهم في العقول، ويُضعف التوكل على الله، ويُعلّق القلوب بأوهامٍ لا تستند إلى علم ولا برهان. كما أنه يكرّس ثقافة الاتكالية وانتظار المجهول، بدلاً من ثقافة العمل والأخذ بالأسباب. فالمستقبل في ميزان الإسلام ليس سطراً مكتوباً يقرأه منجّم، بل مساحةٌ مفتوحة للعمل والاجتهاد والدعاء.
ثم إن كثيراً من هذه “التوقعات” تقوم على التعميم والاحتمالات الواسعة، بحيث يمكن إسقاطها على أي حدثٍ لاحق، فيُقال: “لقد صدق!”، بينما تُنسى عشرات الادعاءات التي لم تقع. إنها لعبة نفسية وإعلامية تقوم على الانتقاء وإعادة التفسير، لا على العلم والمعرفة.
وهنا يبرز سؤال المسؤولية: أين دور القنوات التي تمنح المنصات لمن يعبث بعقول الناس؟ وأين وعي المتلقي الذي يملك أن يُغلق الشاشة، أو يتجاوز المقطع، أو يمتنع عن إعادة نشره؟ إن الإعلام حين يسوّق للخرافة بدعوى نسب المشاهدة، يساهم في تطبيع الباطل، ويمنحه شرعيةً زائفة.
إن الواجب اليوم ليس فقط في إنكار هذا المنكر، بل في بناء وعيٍ راسخ يُحصّن المجتمع من الانجراف خلف كل مدّعٍ ومُهوِّل. وعيٌ يُفرّق بين التحليل المبني على معطياتٍ واقعية، وبين ادعاء الغيب الذي لا يقوم إلا على الظن والوهم. وعيٌ يُدرك أن الغيب لله وحده، وأن الإنسان مأمورٌ بالعمل لا بالتنجيم، وبالتخطيط لا بالتعلّق بالأبراج.
مع كل عامٍ جديد، لن يكون السؤال: ماذا قال المنجّمون؟ بل ماذا سنقدّم نحن؟ فالمستقبل لا يُقرأ في الكفوف ولا في مواقع النجوم، بل يُكتب بسواعد الجادّين، وبقلوبٍ معلّقةٍ بربّها، واثقةٍ بوعده، عاملةٍ بأسبابه.
بقلم الكاتب : عبدالله البقمي
