يمر الإنسان بظروف وضغوط نفسية وخبرات وانفعالات داخلية وخارجية، وتظل تتراكم هذه الضغوطات حتى تصل إلى حد الغليان النفسي الداخلي الذي قد يمتد إلى البيئة الخارجية، فيصاب الإنسان بحالة من عدم السيطرة على الذات أو التحكم في البيئة التي يعيش فيها.
و لوهلة وبدون مقدمات، قد يتعرض الإنسان لصدمات حياتية تؤثر بشكل كلي على مسار معيشته ومنحى حياته، ويمثل صميم هذه الصدمات النفسية أحداثا حياتية ضاغطة، تجعله يعيش في تعاسة وحزن وانكسار، يأخذه الفكر تارة إلى أماكن بعيدة لم يكن يتخيل الوصول إليها، وتارة يفيق فيجد نفسه مازال في مكانه يعاني ويلات الفكر والفقد والخسارة والألم النفسي.
ويعد اضطراب ما بعد الصدمة من الاضطراب النفسية التي صنفت على أنها فئة من فئات اضطرابات القلق، والتي تلي حدوث صدمة معينة حدثت لشخص معين في وقت معين، كالحوادث الصدمية الواقعة مثل الوفاة أو الحوادث والكوارث الطبيعية أو فقد المال أو الولد أو الأب أو الأم أو رسوب أو خسارة دنيوية أو غيرها من الأحداث التي لا يستطيع الإنسان تحملها والصمود أمامها، وخصوصا إذا كان هؤلاء الأفراد من ذوي الهشاشة النفسية أو الضعف النفسي الذي ينهش الشخصيات ويهدد كيانها.
وعند الإصابة بهذا الاضطراب تتضح أعراض التأثر بالحدث الصدمي الذي يولد مشاعر الخوف الشديد او العجز أو الرعب، وإزاحة الحدث الصدمي لأي موقف مشابه سواء أكان بشكل مباشر كرؤية حادثة معينة أو بشكل غير مباشر، ومن هنا تتضح الأفكار الاقتحامية (الأفكار مرارا وتكرارا)، ومحاولة تجنب أي حدث يُذكر بالحدث الصدمي، وتأثيرات مزاجية سلبية، مع وضوح تغيرات في ردود الأفعال وفي اليقظة والمنام وصعوبة التركيز، والتجنب الدائم للمثيرات التي تستثير الموقف الصادم الذي تم التعرض له، الخوف من أي أصوات عالية أو جانبية يفسرها الأشخاص على أنها كارثة ستحل وقتيا.
ويقوم المختصون بتشخيص هذا الاضطراب النفسي عندما يجدون أن الأشخاص قد تعرضوا لأحداث أليمة نفسيا واجتماعيا بشكل مباشر أو غير مباشر، وأيضا حينما تمر فترة شهر فأكثر على هذه الأحداث ومازالت الأعراض موجودة، وتكون قد سببت ضيقا نفسيا ملحوظا وتأثرا واضحا على الشخصية،
وبدأ الأشخاص في تغير أحوالهم من تجنب لمواقف واقتحام لأفكار غير طبيعية وردود أفعال غير مناسبة.
ويمكن علاج اضطراب ما بعد الصدمة من خلال اللجوء للمختص النفسي (طبيبا وأخصائيا نفسيا)، واستخدام مضادات الاكتئاب، مع تقديم الرعاية الكاملة الشاملة للعناية النفسية الذاتية والوعي اللازم، بالإضافة إلى تطبيق استراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي والعلاج الجماعي وممارسة بعض التمارين الرياضية، وتقنيات الاسترخاء والتشجيع وغيرها.
وفي النهاية ينبغي القول بضرورة تربية النفس والأبناء على الصلابة النفسية، والتدريب على التحمل والمسئولية، والتهيئة المناسبة لمواجهة أي حدث صادم، فالحياة لا تخلو من أوقات الاستقرار التي يقابلها الصدمات والابتلاءات، وليكن دأبك الصبر واليقين والإيمان القويم.

