في خضم الحياة،الحقيقة لا تأتي دائمًا برفق. أحيانًا تصل فجأة، صريحة، كأنها توقظنا على واقع لم نكن نريده. تؤلمنا، تربكنا، وتضعنا أمام أنفسنا بلا مسافات. لكن الفارق الحقيقي لا يكون في شدّة الحقيقة، بل في قدرتنا على التعامل معها. فهناك من ينكسر تحت ثقلها، وهناك من يفهمها، وهناك من يعبرها أكثر وعيًا. التقبّل هنا ليس تجاهلًا للألم، بل شجاعة في الاعتراف به، وإدراكًا بأن السلام الداخلي يبدأ بالمواجهة لا بالهروب.
التقبّل عبادة قبل أن يكون موقفًا..
في عمق الإيمان، يتجلّى التقبّل في الرضا بالقضاء والقدر، لا بوصفه استسلامًا سلبيًا، بل طمأنينة قلبٍ يدرك أن لكل حدث حكمة، وإن خفي معناها. حين يؤمن الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، يخفّ صراعه الداخلي، وتهدأ أسئلته الثقيلة. يصبح الألم محتملًا، لا لأنه بسيط، بل لأن المعنى الذي يحمله أعمق من الوجع نفسه. وهنا يتحوّل التقبّل إلى عبادة قلبية، وصبر واعٍ لا يلغي السعي، بل يوازن بين التسليم والعمل، وبين الدعاء والأخذ بالأسباب.
الواقع لا يقوّي الإنسان إلا إذا واجهه..
هذا المعنى يلتقي مع ما أكدته الفلسفات الإنسانية عبر العصور؛ فالنضج والحرية لا يولدان من الهروب، بل من مواجهة الواقع كما هو. الإنسان لا يصبح أقوى حين يتجاهل الحقيقة، بل حين ينظر إليها بوعي دون أقنعة. في علم النفس، يُعدّ التقبّل مرحلة أساسية في التعافي، تبدأ بالاعتراف بالمشاعر، ثم التكيّف معها، ثم تحويل التجربة المؤلمة إلى خبرة تصقل الشخصية وتنضجها.
غياب التقبّل يرهق… وحضوره يوازن
حين يغيب التقبّل، يشتد الصراع الداخلي، ويتضاعف القلق، وينشغل العقل بمحاولة تغيير ما لا يمكن تغييره. أما حين يحضر، تهدأ الفوضى الداخلية، ويستعيد الإنسان توازنه النفسي. لا يعود الألم مركز الحياة، بل جزءًا منها. يتعلّم الفرد أن يسمح للمشاعر بالمرور دون أن تستقر فيه، وأن يميّز بين ما يؤلمه وما يعرّفه بذاته. عندها يصبح التقبّل وقاية نفسية، لا تُنكر الحزن، لكنها تمنعه من التحوّل إلى عجز.
من يتقبّل ذاته… يتّسع للآخرين
ويمتد أثر التقبّل إلى العلاقات الإنسانية، حيث يصبح الإنسان أكثر رحابة، وأقل اندفاعًا في الحكم. من يتقبّل نفسه بضعفها وأخطائها، يكون أقدر على تفهّم الآخرين واحترام اختلافهم. العلاقات التي تُبنى على التقبّل تكون أكثر استقرارًا، لأن أطرافها لا يطلبون الكمال، بل يلتقون على الصدق والاحترام. وهكذا يتحوّل التقبّل إلى لغة غير منطوقة، تخفّف الصراع، وتعمّق الثقة، وتمنح العلاقات دفئًا إنسانيًا حقيقيًا.
التقبّل مهارة تُمارس لا فكرة تُقال
ورغم عمقه، فإن التقبّل ليس مفهومًا نظريًا فحسب، بل ممارسة يومية تحتاج إلى وعي وجهد. يبدأ حين يواجه الإنسان مشاعره دون إنكار، ويمنح نفسه حق الشعور دون قسوة أو هروب. ويتعزّز حين يجد مساحة للتعبير، في كتابة صادقة، أو حديث هادئ، أو فعل إبداعي. ويترسّخ أكثر حين يُعيد قراءة تجاربه بعين التعلّم لا الخسارة، وحين يدرك أن بعض الأمور خارج إرادته، فيخفّ صراعه ويوجّه طاقته لما يستطيع تغييره.
التقبّل هو فنّ الاستمرار
في النهاية، التقبّل لا يغيّر ما حدث، لكنه يغيّر ما يحدث في داخلنا. يمنحنا القدرة على حمل الحقيقة دون أن تُثقل الروح، وعلى مواصلة الطريق دون أن ينطفئ الأمل. من أتقن هذا الفن، لم يعد يبحث عن حياة بلا ألم، بل عن قلبٍ أوسع، وعقلٍ أهدأ، ونفسٍ تعرف كيف تمضي… حتى وهي مثقلة بالجراح.

